الخميس، 5 فبراير 2015

معجزتان!


معجزتان!
(بتصرّف عن قصّة لميخائيل نعيمة)


اسمه " فليكس"، سعيد، لكنّه كان غريباً عن اسمه، حتّى أنّه كره والديه بسبب هذا الإسم.  شقيّ، بائس، ما تعرّف فمه طوال سنين على ابتسامة، وما كانت أفكار السوء لتهدأ في رأسه حتّى عندما كان ينجز عمله كما يرغب ويشتهي. عمله!، نعم، كان " السرقة".
لم يبتسم في حياته، ولكنّه أيضاً لم يبكِ. أكثر من نصف قرن من الغربة عن الله، عن الراحة، قضاها في كلّ مكان. وأكثر من نصف هذا الزمن قضاه في السجون التي ما إن يخرج من ظلماتها حتى يمسك بقضبانها من جديد. بائس هو حتّى الانزواء القاتل. الكلّ أعداؤه، أمّا السرقة فغارات غزو على هذا الكلّ. قاطع علاقة مع الآخرين كما مع الله. يبغضهم لأنّهم، هكذا يظنّ، يبغضونه. ولماذا يحبّونه؟ هم أحسن حالاً منه. بعضهم يبخلون حتّى بالنظر إليه، يرمقونه بعين تأنف حتّى النظرة السريعة. وهو، يعاملهم بالمثل، يقرف منهم، يسرق أموالهم ومقتنياتهم، والبادئ أظلم.
سارق إذاً هو.  محترف، خبر كلّ القساوة وعدم الاطمئنان في حياته الشقيّة.
لكن " سرقة" البارحة كانت غيرها كلّ السرقات. لقد أفرغ كلّ ما في عينيه من دموع حبستها السنين. دموع ما زالت آثار حرقتها على وجنتيه، وقد رسمت خطوطاً حمراء لا تمّحي. ما يعزّيه اليوم، أنّ بطرس الرسول بكى حتّى كاد يختنق. بطرس أنكر المسيح ثلاثاً، فما أهمّية بكائه هو، وقد أنكره طوال العمر الّذي مضى.  ما أدهشه وما زال، أنّ من دعاه الى تذكّر الربّ فتاة عمياء، صغيرة، و ... مؤمنة. أمّا يد يسوع فكانت حاضرة. ولأنّها كذلك، ما كان يستطيع أن يتوقّف عن البكاء.
*
إختراق الغرفة في ذلك المنزل الهادئ، لم يكن صعباً، أين منه اختراقات الأيام الغابرة.  الشرفة منخفضة، وقفزة بسيطة، رشيقة، تجعله يقف كالرمح، منصتاً، وراء الحائط الأبيض الّذي يفصله عن الداخل. لم يكن هنالك من صوت، حتّى ولا حركة هواء. المنزل خالٍ، وهذا ما هو مطلوب. جرّ باب الغرفة بخفّة الخبير، ودخل بخطى خفيفة متوجّهاً الى حيث الخزانة، كأنّه، ولا عجب، يعرف مكانها. الخزائن، على أيّ حال، هدف كلّ السارقين. فتح بابها بتأنّي الطبيب الجرّاح، ثمّ وقف ينظر محرّكاً عينيه ذات اليمين وذات السار، يفتّش عن طريدة هذا المساء، دون أن يحرّك رأسه الجامد كما الصنم.
وفجأة، سمع صوتها. صوت ناعم، غامر بفرح الشوق. نعومته أرشدته على أنّ صاحبته لم تتجاوز بعد سنين المراهقة. كان يتخيّلها تبتسم. سعيدة، كأنّها، بوجوده، غير خائفة، بل إنّ في صوتها بحّة حنان وعطف تأخذه الى عالم جديد، لا يعرفه.  أخذته الدهشة فتسمّر مكانه. لم يعد يستطيع الحراك.  وعاد الصوت: " كنت متأكّدة بأنّك ستأتي". يا لهذا الصوت الدافئ! أراد لو يهرب، لو يطير، لو يختفي عن هذه الدنيا. عاجز كأنّه عن المواجهة، هو الّذي واجه صعاباً أقسى ممّا يواجه الآن.  لكنّه ما عاد يشعر بقدميه، لقد غابت عنه وكأنّها لم تكن. تمثّل له أنّه عارٍ تماماً وسط عيون جاحظة، وما أكثرها، لا يرفّ لها جفن. لم يكن يستطيع سوى النظر الى الأرض، الى الأسفل، مستسلماً لكلّ احتمال.  أدرك أنّ الفتاة تقوم من سريرها وتتّجه نحوه، فازداد صمتاً. عندما وضعت يدها في يده، لم يعد يرى شيئاً. لقد استسلم كاملاً، عاجزاً حتى عن إزاحة يده.  سمعها تخاطبه:
- " أعلم أنّك أتيت من أجلي. كنت على ثقة بأني متى سأنتهي من صلاتي ستكون حاضراً أمامي. وها أنت هنا الآن".
وازداد صمتاً. ولكنّ أفكاره راحت تتخبّط كأمواج تتضارب وسط أعصار كبير، خيّل إليه أنّه لن يستكين. صلاة! وأيّ صلاة؟ وهل في الدنيا من، بعد، يصلّي! ثمّ كيف أنّه عاجز عن الحركة وهو أمام طفلة ضعيفة، واهنة؟
- " ماذا؟  ألن تقول شيئاً؟"
وماذا يقول؟ يودّ لو يهرب، لو يصبح وقوداً لأتون هذه الأرض الّتي لا يستطيع أن يشيح النظر عنها. ولكنّ هذه الفتاة لا تنفكّ عن دفق حنان يشعر به لأوّل مرّة. وها هي تقبّل يده القذرة الحاملة كلّ أنواع السرقات.
- "أنت تعلم، أنّي ضريرة منذ ولادتي. لا أرى سوى الظلام. إن كان غيري أكثر حاجة منّي للشفاء فلتكن مشيئتك، فأنا أتدبّر أمري. إنّي معك أعيش بنور القلب. ولكنّي متأكّدة أنّك هنا لشفائي. قل كلمة واحدة، كلمة واحدة فقط، وسأكون في النور ... صلّيت لك كثيراً، وسأبقى. أنت ملاذي الأخير. وكم طلبت شفاعة أمّنا العذراء، ألا أستحقّ كلمة واحدة منك ...".
لم تدعه يطيل صمته:
  - " في الإنجيل أنّك كنت تقول لمن تشفيه، إيمانك خلّصك. وكان يشفى من عاهته للفور. وإيماني كبير، كبير جدّاً، أنت تعلم ذلك. قل لي إذاً هذا الكلام. أنا أعلم أنّك هنا لهذا الغرض. ليتني أستطيع أن أرى وجهك ... سأراه حتماً، أليس كذلك؟ فأنت هنا لتعيد لعينيّ النظر".
وشعر بالدفء للمرّة الأولى. لقد راحت، منذ ذلك الحين، الدموع تتساقط من عينيه. لأوّل مرّة صلّى: " اشفها يا ربّ، كما شفيتني الآن". لأوّل مرّة شعر أنّ الحياة قصيرة، قد لا تكفي لتوبة صادقة. لقد مرّ شريط حياته سريعاً أمام ناظريه. أدرك كم كان يعيش في القذارة، كما أدرك كم كان الله رحيماً معه، وأدرك أيضاً، كم كان بعيداً، هو، عن محبّته الفائقة. نظر الى وجه الفتاة المغمضة العينين، ووضع يده على رأسها، وراح يداعب شعرها الأملس. أمسكت الفتاة يده، وشعرت بدمعة حارّة تسقط على يدها الصغيرة.
*
           عندما رحل من الشرفة، كما دخل، لم تستطع الفتاة رؤية وجهه، لكنّها أصبحت ترى كلّ شيء. أمّا هو، فلقد رحل مسرعاً، رحل الى البكاء المرّ. لكنّه، هو أيضاً، أصبح يرى كلّ شيء.
           معجزتان! إيمان أكيد، وحضور للربّ.

الأربعاء، 4 فبراير 2015

هويّة المسيح قتلته


هويّة المسيح قتلته

       لم تكن حيرة بيلاطس ساعة الحكم على يسوع أعظم من تلك التي وقع فيها قيافا، عظيم الأحبار وسيّد السنهدرين.

           ألبنطي، لا يهمّه أمر هذا الشعب المتعجرف، الغارق في معتقدات سخيفة فيها من السحر والشعوزات ما يرغم على الضحك. ولا يعني له شيئاً إلههم الوحيد، المزاجي، المتربّص بكلّ تحرّكاتهم. فعنده، مع بني جنسه، آلهة كثر، ولكلّ منها اختصاص. وها هم يقذفون أمامه بواحد منهم، بسيط، فقير، ذليل، خافض الرأس، يلبس حالته المذرية، وفوق كلّ هذا يدّعي أنّه ملكهم. يقولون أنّهم لا يعترفون بملك إلاّ قيصر. هؤلاء الخبثاء، هل بات قيصر حبيبهم؟ ‍‍‍ ويقولون أنّ هذا التاعس يدّعي أنّه ابن الله. وهم، بما يقولون بأنفسهم وما يقوله هو، يطلبون صلبه.  هؤلاء الأغبياء فقدوا عقولهم. أهذا ملك؟ وكيف يمكن أن يكون هذا الشحّاذ إلهاً؟  لعلّه مجنون أكثر منهم. إنّه لا يستطيع حتى أن يدلّهم على مكان مملكته. قال " مملكتي ليست من هذا العالم"‍. لعلّه آتٍ من الفضاء‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ ... مجنون ولكن لم الحيرة؟ فليمت. ومن يهتمّ؟ إنّ مشاكل هذا الشعب كثيرة، وقد يصعب في الكثير من الأحيان حلّها. أمّا هذه المشكلة، فيبدو أنّها سهلة الصرف. صحيح أنّ هذا الواقف ذليلاً أمامه لا يستحقّ الموت، ولكنّ الصلبان كثيرة، والجلجلة جاهزة، والماء لغسل الأيدي جاهز أيضاً.

           لم تكن هذه حال قيافا.
           لقد لفّته الحيرة حتى اليأس. ليس في تعاليم هذا الجليليّ ما يستحقّ الموت. لقد دعا الى المحبّة وقد يكون جباناً. قام بآيات عظيمة وقد يكون ساحراً. أمّا وقد تطاول على " موسى" بعض الشيء، فرزمة من الجلدات القاسية كفيلة بأن تردعه   ولكن، ماذا يفعل بحميّه " حننيا"؟ ذلك الصلف المزعج. ما زال يسمع زعيقه الحادّ أن " تخلّص من هذا المجدّف". "حننيا" ما زال الكبير الكبير. صحيح أنّه لولاه لما اعتلى "قيافا" –الصهر-هذا المنصب، ولكنّ هذا الكهل مزعج حقّاً. هو مقتنع أيضاً بأنّه من الأفضل أن يموت الرجل بدلاً من أن تموت الأمّة بكاملها. ولكنّ ما هي الدوافع لذلك؟ ما هي الحجج؟
           قال الرجل أنّه قادر على أن يبني الهيكل في ثلاثة أيّام إن تمّ هدمه؟ الأمر مضحك. مجنون هو، وهل يحكم على مجنون؟ سخيف قوله، وبقدر ما هو سخيف لا يمكن أن يكون سبباً للحكم عليه. لقد انتهك حرمة السبت مراراً. ولكن، من منهم لا يفعل الأمر عينه وإن في الخفاء.  لقد سمع أنّه يردّد مقولة أنّه ابن الله. لعلّه ينفي الأمر إن هو سأله عن ذلك. ولكنّه سمع أيضاً أنّه صادق، أبيّ، شهم وشجاع. فلما لا يحاول؟ فقد لا ينفي الأمر بخبث ودناءة. هو على أيّ حال ليس واحداّ من الكهنة، وهو ليس فرّيسيّ أيضاً. إن كانت أعماله لا تستوجب الحكم عليه بالموت، فقد تكون هويّته هي العذر المنتظر. سيكون الوحيد في العالم، ربّما، الّذي يحاكم على أساس هوّيته. فليكن ذلك، ألمهمّ أن يختفي زعيق "حننيا" القاتل.

           الحيرة القاتلة التي وقع فيها "قيافا" تلاشت كما الطيف بعدما سمع الردّ.  " ... وسترون ابن الإنسان جالس على يمين الآب". لقد شقّ قميصه فرحاً. فليرسل هذا الشهم الى الآلام والعذابات، الى الجلد والسخرية، الى الموت على خشبة العار

الاثنين، 2 فبراير 2015

من قال أنّ الثقافة عامّة هي براء من ثقافة الدين؟!


من قال أنّ الثقافة عامّة هي براء من ثقافة الدين؟!

 


             قد تنوجد في حديث " ثقافة"، مع نخبة من الناس عمقت معرفتهم وتوسّعت في كلّ اتجاه، فنهلوا من تاريخ الإبداع البشري معلومات وافرة واثقة عن مبدعين قمم، أغنوا تاريخهم والناس روائع لا تنسى. فتسمعهم يتحدّثون عن كبار رحلوا، ويغرقون في تفاصيل حياتهم، تلك غير المعروفة، ليؤكّدوا شموليّة معرفتهم. وإذ يرومون تثبيت ثقافتهم، يغوصون في طفولة المبدعين.

           يتحدّثون عن رسّام عظيم رحل، وما رحلت إبداعاته. يشرّحون لوحاته، الواحدة تلو الأخرى، فيحلّلون الرسم بذاته، ويكتشفون أسرار هذا المبدع من دراسة مستفيضة عن الألوان التي مزجها على قماشته، والرسوم التي خطّها بريشته السحريّة. ولكلّ لون رمز، وفي كلّ رمز رسالة يُظهر إبداعها الهدف منها. ولكي يكملوا إبراز ثقافتهم، يعودون إليه طفلاً. لقد كان لا ينفكّ عن التقاط وريقة، يرسم عليها بقلم الرصاص ما يعجز عن فعله رسّامو اليوم. ويؤكّدون أن هذا، ما كان سوى دلالة على عبقريّة فذّة ستظهر فيما بعد. عبقريّة ستكون محطّ أحاديث العالم المشدوه. البرهان: ها هم، كما الكلّ، يتحدّثون عنه.
                 وقد يأتون على ذكر نحّات كبير، فيلقون به وبأعماله على طاولة ثقافتهم. وإذ يلتقطون مباضعهم، يشبعون أذنيك بما لا تعرفه عن هفوات طفولته. فكم من مرّة رآه الّذين حوله، يحمل في يده حجراً ويحدّق به طويلاً، كأنّه الحبيبة منفوشة الشعر، تنتظر تسريحة الجنّية المجنّحة. وكان لا يمضي النهار حتى يحوّل حجره الى رائعة فنّية بأدوات المنزل البدائيّة، سكاكين المطبخ الصغيرة. وكم من مرّة جرح يده الصغيرة، فسالت منها دماء الإبداعات.  لقد ولدت عبقريّته يوم ولد.  وقد لا يغيب عن ذكرهم أن يؤكّدوا أنّ أمّه، تلك العظيمة، التي لولاها، لولا دعمها وتشجيعها له، لما احتلّ عبقريّنا عرشه على القمّة.  لقد كانت تراه مراراً يتكلّم مع الأحجار في يديه، أثناء نشرها للغسيل على حبال مصطبة البيت.
            وذاك الموسيقي، الواسع الشهرة، الّذي كان ينسغ، وهو بعد طفلاً، من هدوء الطبيعة وتناغم سكونها، ألحانها الشجيّة.  ثمّ ينزوي في غرفته المنفردة ليستعيد النغمات، التي التقطتها أذنه، عزفاً على مطّاط سرواله. وكم أزعج الجيران بعزفه على جدران المنزل لكمات بيديه، تهدر إبداعاً وعبقريّة.
          أمّا ذاك الشاعر الصغير، وما كان قد دخل بعد في سنّ المراهقة، فكان، منذ انفجار الصبح، يجلس على صخرة الوادي ليحاكي الطبيعة، ويرسم على أوراقه حواره الصامت معها أبياتاً خالدة... ويقرأون قصيدة من إبداعاته، تلك التي نظمها وهو رضيع، ثمّ يهزّون الرأس دهشةً واستغراباً، ومنهم من يسبّح الله تعالى إعجاباً بما سمع.

           وإذ يتابعون، تأخذك الدهشة من ثقافة واسعة متناثرة، يؤكّدون صدقها بمراجع ومؤلّفات، فيذكرون إثباتاتهم فصولاً وصفحات. ولكن ...

إيّاك أن تتكلّم عن طفولة قدّيس. لا ماذا كان يفعل، ولا ماذا كان يقول. فأنت إذذاك، مدعاة لنظرة استغراب أو لابتسامة ساخرة، ومنهم من يقلب شفتيه. يحكمون أنّك خارج هذا الزمن، وهم فيه اللّب والجوهر. ويحكمون عليك أنّك ناقص ثقافة وعلو، ولكنّهم لا يفقهون أنّهم، شيئاً فشيئاً يخرجون عن الدين الحق.
فهناك، عندهم، دلالات عبقريّة وإبداع. أمّا هنا، فإشارات القرب من الله طيبةً وتواضعاً ونقاوة قلب لا يعرفونها. وشتّان ما بين كبرياء النفس ووداعة القداسة، وما بين إبداعات العقل وطهارة القلوب. فالطفل الحامل قلم رصاص، والمنحني على ورقته الصغيرة غيره الطفل الحامل السبحة والساجد على ركبتيه، رافعاً رأسه الى الأعلى. مع الأوّل ثقافة، هكذا يدّعون، ومع الآخر إشاحة وجه! ولكن، من قال أنّ الثقافة عامّة هي براء من ثقافة الدين؟! من القادر على تحمّل مسؤوليّة هذا القول؟ وكيف لا يكون للقدّيسين، وهم كثر، حصّة في تاريخ الإبداع البشري؟ وما كانوا طارئين أو غرباء عن مجتمعاتهم، بل كانوا فيها محبّة صرفه، تجلّت في لجان وجمعيّات ما دامت إلاّ بالعناية الإلهيّة المباشرة.

           فللكلّ بداية، وفي كلّ بداية علامات دالّة على شيء مختلف. وقد تكون علامات القداسة هي الأوضح في بدايات القدّيسين، وفي المسيرة الإنسانيّة المستمرّة. وهي، من بين كلّ علامات المبدعين، الأصدق.
 

الأحد، 1 فبراير 2015

حُمّلت دوراً منذ ولادتك


 
 
 
 
حُمّلت دوراً منذ ولادتك
 
            إذ يشبك الرجل يديه تحت ذقنه يسندها، جالساً على أريكة الإنتظار اللاينتهي، متّكئاً بذراعيه على ركبتيه المطويّتين، وحاسباً الوقت دقّات تتناسب والآهات الصادرة من الغرفة المجاورة حيث زوجته، وإذ ينحني الى الأمام كالمستعدّ الدائم للتأهّب قفزاً والمثول أمام سرير الحدث، ساعة ينفتح الباب للابسة الثوب الأبيض، المسمّاة بحقّ، ملاك الرحمة، والباسطة ساعديها الى فوق بالقفّازات المطّاطيّة. 
وإذ تلتقط الزوجة الفراش من تحتها في الغرفة المغلقة، فتغرز أظافرها في الغطاء ألماً واختناق، علّها تصرخ الصرخة المنتظرة، التي سيتبعها صرخة ناعمة، فيها من ثغاء الحمل الرضيع براءته، ومن وشوشات أوراق نيسان خفرها، تلك التي تحدثها نسائم ولادة الأرض من جديد.  وإذ ترفع الأمّ رأسها الى الأعلى من على وسادة نديّة بعرق الصبر الأليم، وانقباضات الجسد المتكرّرة، يكون الحدث قد اقترب أوانه، لا بل الساعة أتت: إنّ طفلاً سيولد.        
           وبينما يروح الجميع، في لحظة الحدث، ينظرون الى الوليد في كلّ مكان من جسمه، وعلى شفاههم ابتسامات الرضى، فيترصّدون جماله، سماره أو بياضه، لون عينيه وشعره وطول قامته، ويرصدون حركات يديه السريعة، وركلات ساقيه الى الأعلى في كلّ اتجاه، يسمعون صراخه فيضحكون، بل يحثّونه على الصراخ من جديد إن هو همد، فينكزونه بإصبع، أو يقرصونه على الفخذ، يكون الله قد ختم في روح هذا الطفل الدور المعدّ له، في مخطّطه الخلاصي.
           وإذ يكون الكلّ على شفاه تبتسم لبكاء المولود الجديد، البكاء المنتظر طويلاً، يتندّرون فيمن يشبه من والديه، تبدأ لحظة الإفتراق عن القصد الإلهي في بناء الفردوس. فالطفل عند الله بنّاء فردوس مفقود، وهو عند الأهل مدعاة افتخار. وما من أحد يسأل عن دور المولود في مسيرة الخلاص، ولا من يرجو القدرة على إتمام هذا الدور، وكأنّ الله يعمل وحده في عمليّة إنقاذ البشر، أبنائه، أو كأنّ لا شركة لهم بها. وما من أحد يتمثّل " سمعان الشيخ" ذاك البار الّذي، في هيكل الله، رفع يسوع بين يديه، فعرف مدى العذاب الّذي سيلاقيه لإتمام الرسالة، فتنبّأ بهول المصير، ثمّ رنا مريم بنظرة عطف، وأبان لها السيف الّذي سيغرز في قلبها.
           ولكن الله حكمة على الإطلاق ... إنّه المحبّة التي تفوق كلّ محبة، وهو القدرة التي ما بعدها قدرة ... فإن أشحنا بالنظر عن أدوارنا لا يغيّر الدور في مسيرته شيئاً. وسيظهر منّا من سيذكّرنا بما تعامينا عنه، وما أقفلت عقولنا عليه. فيرسم لنا الطريق الى النور، علّ قلوبنا تطيب، ونفوسنا تتّضع، فنرنو إلى الله حجّةً ومآل. كلّ ذلك بحكمة من الآب وبعناية منه.
 
 

 

        


السبت، 3 يناير 2015

حول كتاب الموسيقى لجبران خليل جبران

 
 






حول كتاب الموسيقى



لجبران خليل جبران


"الموسيقى"، كتاب جبران خليل جبران الأوّل. صدر في العام 1905. وقد أصدره أمين الغريِّب في نيويورك على مطبعة جريدته المُهاجر في حزيران 1905، بعنوان "نبذة في فنّ الموسيقى". (نسخة هذا الكتاب موجودة حاليًّا في مكتبة معهد هارفرد، بوسطن.) الكتاب، وهو لا يتعدّى بضع صفحات، يبحث في تأثير الموسيقى في النفس البشريّة. هو إذاً لا يتناولها بحدّ ذاتها كفنّ مستقلّ، أو كعلم محدّد وأصول وتاريخ، بل يصف انعكاساتها على نفس من يسمعها بكلمات شعريّة، عاطفيّة، إنسانية راقية. والحال، فإنّ البحث في الموسيقى وفق هذه المعطيات سيتّخذ مع جبران منحى مختلف. سيدع الموسيقى تفعل في نفسه ونفوس الآخرين ما تفعله، ولن يكون تحديده لها إلاّ وفق ما تحدثه في القلوب وتثيره من مشاعر في النفوس.


تأثير الموسيقى في النفس البشرّية
الموسيقى هي أوّلاً، بحسب جبران كما ورد في كتابه المذكور، صوت النفس، وبالتالي لغتها. والنفس وهي غير مرئيّة، وغير صائتة، سترى في الجسد أداة تعبير عمّا يخالجها من مشاعر مختلفة. فمتغيّرات السمات والأسارير، ورسم الابتسامات بانفراج الشفتين أو رسم علامات الحزن بزمّهما، أو إصدار التنهّدات والآهات، أو غيرها من حركات الجسد، إنما هي تعابير لحالة النفس ولمشاعرها المتغيّرة على الدوام. 
إن أجمل صورة لفهم هذا التحديد هي صورة حبيبان يجلسان بالقرب من بعضهما البعض ويتحدّثان ليظهرا حبهما المتبادل. وهي الصورة التي رسمها جبران بكلمات عاطفيّة رائعة، في بداية كتابه. "جلست بقرب من أحبّتها نفسي أسمع حديثها...". حبيب يجلس بالقرب من حبيبته يصغي لكلامها. كلام لا بدّ سيرافقه تنهّدات وأصوات زفير ابتسامات، وستتقطّع الألفاظ حيناً لتعود فتلتقي حيناً آخر، وقد يختفي بعضها لتختبي بعض الكلمات بين الشفاه. عندها ستتحوّل العبارات إلى نغمات إذ سيغيب الفهم عن القول، وسينشغل القلب "عن جوهر حديثها بجواهر عواطفها المتجسّمة بموسيقى هي صوت النفس". ولن يعود الحبيب يسمع سوى نغمة الصوت التي تهزّ القلب وتظهر عواطف النفس الدفينة. الموسيقى هي هذه النغمة التي قد تعلو مع الآهات وتخبو مع البسيطات من التنهّدات والتي سيسمعها جيّداً الحبيب. وهي حديث النفس للنفس، وخفقان القلب للقلب، وتبادل ابتسامات الشوق من دون ألفاظٍ ولا عبارات. إن حديث الحبيب للحبيب لن يبقى منه سوى نغمات تسحر الذات لتنتشي وتطرب لها النفس فتثير الجسد.
والنفس أيضاً، وهي "زهرة ليّنة"، تهزّها نغمات الطبيعة: وشوة النسيمات لزهور الحقل، قطرات الندى المتساقطة، خرير "الجداول على الحصباء"، تنهيدة الأمواج على الشاطئ، صوت سقوط المطر على أوراق الشجر أو على بلّور نافذة... أو تغريدة عصفور تنادم "زهور الحقل... أم أغصان الشجر... أم الطبيعة بأسرها". وكلّها موسيقى تناجي النفس وتتحدّث معها، وإن لم تكن متأتّية من عزفٍ على آلة. سيشعر صاحب هذه النفس "أنّ قلبه يفقه ويفهم مفاد جميع هذه الأصوات فيهتزّ لها تارة بعوامل الطرب، ويتنهّد طوراً بفواعل الأسى والكآبة".
ستفعل الموسيقى إذاً في النفس ما سيهزّ أوتار العواطف، وستستحضر الذكريات، حزينة كانت أو مفرحة. فالنغم سيطبع سامعه بنوعه؛ فإما حزين، يعود بالنفس إلى ذكرى مآسيها وضعفها وسقطاتها، وإمّا مفرح فيفرح سامعه ويذكّره بالماضي السعيد. "فقد تخرج من عينيك دمعة محرقة أثارتها لوعة نأي حبيب... أو من بين شفتيك ابتسامة كانت والحقّ عنوان السعادة والرخاء". وقد يبتدع صاحب هذه النفس لحناً ونغمةً فرِحة ليظهر حالة نفسه السعيدة، أو لحناً مغايراً ونغمة حزينة ليظهر الأسى التي تشعر به.
أمّا أهمّ صفات الموسيقى فهي أنّها كما الحبّ، يعمّ تأثيرها الناس، كلّ الناس. فقد "ترنّم بها البرابرة في الصحراء، وهزّت أعطاف الملوك في الصروح. مزجتها الثكلى مع نوحها، فكانت ندباً يفتّت قلب الجماد. وبثّها الجذلان مع أفراحه فكانت إنشاداً يطرب مغلوب الأرزاء، فقد حاكت الشمس إذ أحيت بأشعّتها جميع زهور الحقل". وبهذا الأمر ستنضم الموسيقى إلى إثنين يوحّدان بين البشر: الحبّ والموت.

تأثير الموسيقى في نفوس الجماعة
ويشير جبران في كتابه الى حقيقة مفادها أنّ الموسيقى لا تفعل فعلها في نفس الفرد فقط بل، في نفوس الجماعة أيضاً. إن نظرة سريعة على منزلة الموسيقى عند الأمم الغابرة تؤكّد عظمتها عند البعض منها وقدسيّتها عند البعض الآخر. فهي عند الكلدانيّين والمصريّين القدماء إله عظيم مقتدر. وهي عند الفرس والهنود روح الله بين البشر.
أمّا عند اليونان والرومان فهي إله يدعى "أبولون"، يقف منتصباً، يحمل قيثارته، ينظر الى البعيد والى عمق الأشياء ويلاعب الأوتار بيمينه. وهكذا يبتدع رنّات هي صدى صوت الطبيعة. وإذ يأتي جبران على ذكر أسطورة "أور فيوس" الموسيقي الروماني يبيّن مدى تأثير موسيقاه على الحيوان والنبات والجماد. ويذكر ما تردّد عن أنّ "أور فيوس"، يوم توفّيت زوجته، أبكى بموسيقاه الطبيعة بنغمة لوعته، فساعدته الآلهة للقاء حببته في عالم الأرواح. "أور فيوس" هذا، ستقتله فيما بعد بنات الأحراج وسترمين برأسه وقيثارته الى البحر، وستصوغ الأمواج أصواتها ندباً وحزناً لتملأ الأثير. يدرك جبران أنّ ما أتى عليه من حكايات الأساطير هذه قد لا تكون سوى خرافات ولكن، "ما ضرّنا لو دعونا تلك الأقوال مبالغة شعرية مصدرها رقّة العواطف ومحبّة الجمال وهذا في عرف الشعراء الشعر".
ويتابع جبران في كتابه سيره والموسيقى عبر الأجيال ليتوقّف أمام رسوم الأشوريّين حيث تتقدّم الفرق الموسيقيّة مواكب ملوكهم. ثمّ ليتوقّف أمام مزامير داود وقد تحوّلت أناشيد صلاة، وأمام أصوات الأبواق في آخر الدهر تحملها ملائكة من السماء. ولكنّه بعودته تلك الى الغابر من الأزمان، ما أراد أن يقنعنا بصدق كلامه عن نظرة الأمم الى الموسيقى بقدر ما أراد أن يظهر أهميّتها في نفوس الشعوب في كلّ زمن. ما كان همّه تاريخ الأمم بمراجعه ومستنداته ووثائقه بل، كان همّه أن يظهر أهميّة الموسيقى في هذا التاريخ. عنده أنّ الموسيقى ترافق النفس البشريّة في كلّ مكان وزمان. تسير أمام الجند لتجدّد الشجاعة على الكفاح في ساحات القتال، ويشير بمرارة أن "كذا يستخدم ابن آدم أقدس ما في الكون لتعميم شرور الكون". هي رفيقة الراعي وعلى هديها تأمن الأغنام المرعى. وهي تخفّف التعب عن المسافرين منذ زمن القوافل وحتى اليوم. ... "ولا بدع، فالعقلاء في أيّامنا هذه يربّون الضواري بالألحان ويدجّنونها بأصوات عذبة".
أمّا في مراحل حياة المرء، فالموسيقى هي الشاهدة لمسرّته كما لحزنه. فعند الولادة هي أغاني فرح وأناشيد ابتهاج وحبور وتهليل وهتاف، وهي الدواء لبكاء الرضيع تناوله له أمّه بصوتها الموسيقي المملوء رقّة، وعند الزواج هي أهازيج فرح وأناشيد مسيرة الإنسان اللاتتوقّف. أمّا عند الموت، فهي ندب وآهات ونغمات حزن وكمد ولوعة.

تأثير النغمة الموسيقيّة الشرقيّة
وقبيل أن ينهي جبران كتابه يصف حال السامع لموسيقى المنشد المنغّم. فمعه تستفيق العواطف المكنونة، وتنتعش القلوب، وتصدر عن السامع كلمة آه. والكلمة على صغرها ما هي إلاّ اهتزاز النفس وقد عبّرت عنه بصوت عاطفة. "آه كلمة صغيرة ولكنّها حديث طويل". فالموسيقى، إذاً، كما الشعر والرسم وفنون أخرى، "تمثّل حالات الإنسان المختلفة وترسم أشباح أطوار القلب وتوضّح أخيلة ميول النفس وتصوغ ما يجول في الخاطر وتصف أجمل مشتهيات الجسد". ويبدو أنّ جبران يستلذّ بسماع الموسيقى الشرقيّة، فيتمثّل نغمة "النها وند" بالنفس الحزينة بسبب فراق حبيب أو لوداع وطن. مثلها في ذلك كمثل شجرة في فصل الخريف، تتساقط أوراقها ولكنّها تتشبّث بالصبر والأمل. أمّا إذا ما انقطع الأمل وزال، كما في مثل موت الحبيب ورحيله عن محبّيه، فتغور الموسيقى حزناً كما في نغمة "الأصفهان". ولكنّ للموسيقى نغماتها الفرحة أيضاً، كما في مثل نغمة "الصبا"، المعبّرة عن شغف الفرحة بلقاء الحبيب أو بقطفة نجاح. كذلك في "الرصد" إذا ما تلقّت النفس رسالة من غائبٍ تحيي الأمل باللقاء.
وينهي جبران حديثه عن الموسيقى بصلاة إليها، هي التي وُجدت مع الوجود وما غابت عنه كبعضٍ من فنون أخرى. هي مرافقة للنفس البشريّة لتعلّم الإنسان أن يرى بسمعه وسمع قلبه. " تكاثري يا عواطف النفوس وتعاظمي يا مشاعر القلوب وارفعي أيادي ذوي الأيادي لبناء الهياكل لهذ الآلهة العظيمة ..."
**
  وبعد ... سيضع جبران نفسه، من خلال كتابه الأوّل هذا، في مصاف الأدباء الرومنسيّين. وسيقوم بعد ذلك بالتصدّي لمشكلات العالم الاجتماعية بكلمات ملؤها العاطفة والمشاعر الإنسانيّة الصادقة، لتنتشر كتبه في زوايا الأرض الأربعة.
في 3 كانون الثاني 2015  
د. طارق إميل شدياق.
 



الجمعة، 19 سبتمبر 2014

بعد موتك رسالة إليك ... (كتبت إثر موت السيّد هاني فحص)


( كتبت إثر موت السيّد هاني فحص)

بعد موتك، رسالة إليك...

كانت بداية معرفتي بك يوم سمعتك تتحدّث عن الفكرة اللبنانيّة، أنت الذي كنت مقرّباً من اليسار اللبناني، من كمال جنبلاط وجورج حاوي، والعضو في "فتح" ذلك الزمن، والحاصل على الجنسيّة الفلسطينيّة في هذا الزمن. ومنذ تلك اللحظة، بدأت أدرك لماذا يطلقون عليك لقب "السيّد المشاكس". كان حديثك عنها يشبه نسائم الربيع تنساب على الوجوه الورديّة الممتدة من جبشيت في النبطيّة إلى بشري الرابضة على كتف الوادي المقدّس. حديثك عنها لم يكن يشبه أبداً حديث كبار، كانوا يغالون في شرحها. بل كنت الأبرع، والأهمّ. محبّتك للبنانك تجلّت يوم قلت: " لبنان بلا مسلمين سنة وشيعة ليس له دور وبلا مسيحيين لا طعم له". وأدركت أنّي أمام واحد من كبار المنظّرين للفكرة اللبنانيّة لا يجاريه في هذا التنظير أحد سوى اثنين جعلانا نؤمن بها حقًّاً: البابا يوحنّا بولس الثاني، وقبله الدكتور شارل مالك.

وعندما التقيت بك، كنت أودّ أن أسمع منك عنها المزيد ممّا سمعته. ولكنّك رغبت أن تحدّثني عن براءة "الضيعة" اللبنانيّة إنطلاقاً من ذكريات طفولتك في "جبشيت"، القرية التي لا بدّ تفتخر أنّها أنجبتك، يا سيّد الإعتدال. حديثك يومها عن "المونة" اللبنانيّة، وعن طريقة تحضيرها، كان أجمل كلام من إبنِ إلى أمّه. وسألتك لم لا تدوّن ما تقوله الآن في كتاب، لا بدّ سيكون هداية لجيل اليوم. وأذكر أنّك ابتسمت متأوّهاً. يومها قلت لي: "في عمر الشباب يأخذنا الحلم بالنصر، النصر على كلّ شيء. أمّا في هذا العمر، فندرك كم نحن صغاراً أمام ثبات "الضيعة"، وعظمة عاداتها وتقاليدها". هل تعلم أنّ يومها كان أهمّ ما حفر في قلبي هو حديثك عن طعم "اللبنة" التي كانت تحضّرها أمّك، والذي ما كان له مثيل على الإطلاق؟

هل سبق ورأيت وجهاً طافحاً بالنور يبكي؟ أمّا أنا فقد رأيته يوم رأيتك تبكي. كان ذلك، في تلك الأمسية الشعريّة، وكان الشاعر يلقي قصيدته عن الحوار الذي دار بين "شربل مخلوف" قدّيس لبنان وبين أمّه، والذي ما أراد رؤيتها. وعندما مسحت دموعك كنت تقول: "إنّ أمّهاتنا قدّيسات". اليوم أدرك تماماً خسارتنا لك، وخسارة لبناننا لك يا صاحب العمامة النبيلة. اليوم أدرك أصالتك اللبنانيّة، يا رجل الحوار، يا مشاكس، يا سيّد الثقافة.    

الأحد، 14 سبتمبر 2014

إفتتاح ثانويّة بشرّي

 
 
 


أيّها الحضور ...

نعم ... هي لجنة جبران، كما تمّ ذكره، التي وهبت هذه الأرض لبناء هذه الثانويّة. الأمر بدأ منذ أربعين سنة تقريباً، وفي بداية الحرب اللبنانيّة في العام 1975، وتحديداً زمن اللجنة التي ترأّسها المرحوم البروفسور إميل جعجع. لقد رأت لجنة جبران الوطنيّة آنذاك أهميّة أن يكون في بشرّي ليس فقط ثانويّة، بل أيضاً مدرسة مهنيّة، فاستقدمت الآلات والتجهيزات الضروريّة لذلك من عدّة دول في أوروبأ. وكان العزم أن تنشأ هذه المدرسة – المهنيّة - في العقار التابع لها حيث مؤسّسة الرؤية العالميّة اليوم. لكن مستوعبات هذه التجهيزات التي تمّ استيرادها، تمّ أيضاً سرقتها من مرفأ بيروت إبّان الحرب المشؤومة، وكان هذا الفعل بداية المعاناة التي ستطول حتى هذه الأيّام.
وحدث أن أقرّت حكومة ذلك الزمن، تحديداً في العام 74، مشروع تجمع المدارس، فسارعت لجنة جبران لتقديم الأرض هنا حيث ثانويّة اليوم، والأرض هناك للمهنيّة على أن تقام كلّ من المدرستين وفق مشروع تجمّع المدارس المذكور. لكن المشروع نفسه ألغي فيما بعد لتطول المعاناة أكثر فأكثر.
وبعد أكثر من عشرين سنة، وتحديداً في العام 1999، أبدت وزارة التربية رغبتها في بناء المدرستين شرط تقديم الأرض هبةً ليصار إلى البناء، فما كان من اللجنة في وقتها، وكانت برئاسة الأستاذ فؤاد حنّا الضاهر، وهي التي لُدغت من الجحر مرّتين، أن طلبت الإطّلاع على الخرائط الهندسيّة المعدّة للمشروع، وكان قدّ جهّزها لوزارة التربية المهندس "سيزار عرنوق". وبعد الإطّلاع والموافقة، تمّ مسح العقارين هنا، 2556 و 2557 بإسم وزارة التربية من ضمن بروتوكول لإقامة الثانويّة المطلوبة. وكان ذلك في حزيران من العام 2000.
وككلّ المشاريع في زمن الحرب، خطى هذا المشروع بسرعة فائقة نحو الأدراج ليقفل عليه. وكان يجب ان ننتظر العام 2005 حيث جرت أوّل انتخابات نيابيّة بعد انسحاب الجيش السوري، وكذلك العام 2009، ليقوم سعادة نائبي بشرّي بفتح الأدراج المقفلة ونفض الغبار عن مشاريع كثيرة وغربلتها من جديد ثمّ إدراجها في استراتيجيّة إنماء شاملة بدأت منذ العام 2005. والأمر لم يكن من دون عقبات، فقد تمّ إلغاء مشروع بناء المهنيّة، فسعى النائبان إلى تحويل المبلغ المرصود لها لإتمام بناء الثانويّة التي نفتتحها معاً اليوم.

أيّها الحضور ...

ما كان القصد من هذا السرد التاريخي المختصر جدّاً أن نبرز معاناة ما أو أن نظهر الشعور بالقلق الذي كان ينتاب الجميع، بل لنؤكّد على أمر أساسيّ ولنفتح نافذة مستقبليّة. أمّا الأمر الذي أودّ التأكيد عليه، فهو أن لجان جبران المتعاقبة وحتى اللحظة كانت دائماً أمينة لوصيّة جبران نفسه. لقد أراد أن يكون ريع حقوقه الأدبيّة والفنّية لإنماء مدينته للخير العام، فكنّا جميعاً وما زلنا ملتزمين تلك الوصيّة. الثانويّة هذه هي للنفع والخير العام. أكثر من ذلك، إنّ كلّ الهيئات الإداريّة للجان جبران الوطنيّة تصبح فور تشكّلها جبرانيّة الهوى والنزعة. وعليه لقد عملت بما قاله لها وللملايين، أن "عندما تريدون أن تعطوا، أعطوا من قلبكم ونفسكم وروحكم، أعطوا حتى الوجع". ونحن أعطينا من قلبنا ونفسنا وروحنا عشرة آلاف وواحد وسبعين متراً مربّعاً لبناء الثانويّة.
أمّا ما هو بشأن النفاذة المستقبليّة التي ذكرتها سابقاً، فإنّي أريد أن أؤكّد، أنّنا في لجنة جبران ندرك أن هذه الثانويّة، ككلّ الثانويّات في لبنان، هي دار تعليم. ولكنّنا في الوقت نفسه ندرك وبشدّة أنّها أيضاً دار تربية وطنيّة. وشتّان ما بين الكلمتين. البعض منّا يذكر ولا شكّ، أنّه في زمن الحرب - حرب ال 75 – سال حبر أقلام بغزارة وكُتبت مقالات ودراسات بكثرة تتحدّث عن لبنان الجديد. وكان الكلّ متّفقاً على أنّ تنشأة جيل جديد على المعرفة والثقافة والحضارة والقيم والأخلاق والوطنيّة أمر يكاد يكون الوحيد الذي سيمكّننا من دخول لبنان الجديد الذي كنّا نحلم به ولا نزال. بعد أربعين سنة، إذ ننظر إلى الحال الذي نحن فيه في وطننا، لن نرى أنفسنا إلاّ على انقسام شديد، وطائفية حمقاء ومذهبيّة عمياء، وعلى بغضٍ وكراهيّة لبعضنا البعض. بعد أربعين سنة، لم ننشئ جيلاً جديداً، ولم نحصل على لبنان جديد.
نحن ندرك أنّ هذه الثانويّة وثانويّات لبنان كلّها هي دور تعليم وندرك أيضاً أنّها دور تربية وطنيّة. ولو عدنا إلى ما قبل الحرب في العام 75، البعض منّا يعرف أنّ أسئلة عصر النهضة، تلك التي طرحها كبار روّادها والخاصّة بحقوق الإنسان، ما زالت مطروحة حتى الآن ومن دون إجابات. إنّي أحدّثكم الآن وأمامي تمتثل صورة جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني وعبد المسيح حدّاد ونسيب عريضة ووليم كاتسفليس، وأيضاً صورة مارون عبّود وإيليّا أبو ماضي والياس أبو شبكة ورئيف خوري والشاعر القروي، وأيضاً صورة أحمد فارس الشدياق والشيخ العلايلي وأيضاً الإمام الأوزاعي، كما تمتثل أمامي صورة النهضويّ الأوّل المعلّم بطرس البستاي وكلّ البساتنة الذين لحقوه واليازجيّين وأوّلهما إبراهيم اليازجي، وأسأل أين أيجابتنا على الأسئلة التي طرحها هؤلاء القمم؟ أيننا من حقوق المرأة، ومن حقوق الطفل، ومن الحريّات عامّة: حرّية المعتقد والتعبير والإختلاف الفكري؟ أيننا من العدالة وسيادة القانون؟ أيننا من حقّ التعليم والإستشفاء وغيرها ...؟
هذه الأسئلة طرحت منذ منتصف القرن التاسع عشر، منذ أكثر من مئة وخمسين سنة. وقد دخلنا القرن الواحد والعشرين من دون الإجابة عليها. السبب، أنّنا عملنا على التعليم أكثر ممّا عملنا على التربية الوطنيّة.
ولكنّنا في لبنان، أيّها الحضور، قد تآخينا مع الأمل ومع الرجاء. الأمل بأن الأمور ستصطلح في يوم ما. وعلى هذا الأمل نستمرّ جميعاً في هذا الوطن العزيز. وإذ كان الأمل موجوداً فلا يسعنا اليوم إلاّ أن نهنّئ الجميع بهذه الثانويّة، بشرّي أوّلاً بإسم سعادة نائبيها الكرام، ووزارة التربية بشخص معالي الوزير، ومجلس الإنماء والإعمار بشخص رئيسه، كما إدارة الثانويّة وهيئتها التعليميّة. وأفرد شكراً خاصّاً لرفاقي في لجنة جبران الوطنيّة وأردّد معهم ما يجب ترداده في هذه المناسبة، أنّ: "أمّا الزبد فيذهب جفاءً، وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض".
شكراً.