السبت، 31 ديسمبر 2016

الصحف اللبنانيّة الى زوال وثقافة الحواس

الصحف اللبنانيّة الى زوال؟

 من هو المسؤول عن عدم قدرة الصحف على الإستمرار في لبنان لتجد نفسها تتّجه الى الإحتجاب؟ قد تكون الأسباب كثيرة ومتنوعّة ولكن أهمّها هو عدم الوعي الكامل عند جيل اليوم على الأخصّ لضرورة وأهميّة القراءة بشكل عام. ومن المسؤول عن هذا الأمر؟ هم كثر بالتأكيد، وأهمّ هؤلاء المسؤولون عن التنشئة الثقافية العامّة. عن هذه الإشكاليّة المهمّة سأتحدّث في عجالتي هذه.
نحن نعيش ثقافة الحواس، ثقافة الإستهلاك. لم نعد نشعر إلاّ بأعيننا وبآذاننا. أمّا العين فلا تعرف شبعاً ممّا ترى، لا ولا الأذن ممّا تسمع. ولهذا نحن لم نعد نشعر كما يجب أن نفعل. هناك علاقة جدليّة بين المعرفة والإحساس. فإذا انتفت الأولى غيّرت الثانية من سيرها الطبيعي وتاهت في كلّ اتّجاه. فأنت لا تعرف كيف تشعر إذا لم تتّصل بثقافات الغير وبآرائهم وبخبراتهم، بل سيبقى شعورك فطريّاً، بدائيّاً، ضيّقاً، مائلاً الى الغرائزيّة. أمّا باب الولوج الى المعرفة فما هو إلاّ القراءة وهي أوّل وسيلة للتعلّم الذاتي ولكسب المهارات ولنمو الشخصيّة بالإتّصال بالثقافات المتعدّدة. إقرأ إذاً، لتواكب العصر، لتعرف أن تميّز فتناقش بعلم، لتطوّر مدارك عقلك وقدرات فكرك، لتساهم في بناء حضارة مجتمعك والعالم.
كلّ ما يحيط بنا اليوم يعزّز من ثقافة الحواس، وأهمّ هذا الكلّ وسائل الإعلام المرئيّة عندنا. وعليه نسأل أين البرامج الثقافيّة أو حتى المعرفيّة على شاشاتنا؟ إن تلفزيونات اليوم وعلى مدى سنين غيّبت الحسّ الثقافي المعرفي عن جيل اليوم واستبدلته بما تسمّيه المنوّعات الترفيهية لتساير المنطق الإستهلاكيّ التي نتخبّط به. أمّا أثر هذا التغييب فكان في تدنّي نسبة القرّاء وعدولهم عن المعرفة الفكريّة بالمشاهدة العينيّة لكلّ ما هو برّاق. لا أعلم إذا ما كانت التلفزيونات تدرك أنّها تساهم في هبوط الرقي الاجتماعي بما تقدّم من برامج برّاقة للعين دون العقل، ولكنّي أعتقد أنّها كانت سبباً في إحجام الجيل الشاب عن القراءة وبالتالي ساهمت في دفع دور النشر، نشر الكتب والصحف والمجلاّت، الى التفكير في الإحتجاب. وسأضرب في ذلك مثلين:
الأوّل، يتعلّق بصدور شريط مصوّر أنتجه على ما عرفنا أحد التلفزيونات يتناول أغنية مبتذلة، جنسيّة الإيحاء، بقصد التوعية الى سخافة ما ينتج اليوم. وكان العنوان المعطى لهذا العمل شعار ثقافي بامتياز: " بلا سخافة، عيشوا الثقافة ". المفارقة أنّ هذا التلفزيون نفسه، كباقي التلفزيونات، لا يفسح في برامجه مجالاً لبرنامج ثقافي واحد ولو في الشهر. الأشدّ مفارقة أنّ نسبة مشاهدة هذا الشريط بلغت أكثر من نصف مليون مشاهدة في أقلّ من أسبوع. حتى في محاربة الإبتذال ننحدر الى الإبتذال نفسه. أمّا المضحك، فكان في مقابلة لبطلة الشريط تنصحنا بقراءة كتاب ولو واحد في الشهر بدلاً من مشاهدة شريطها المصوّر وأمثاله. 

الثاني، هو استذكار للبرنامج الفرنسي  "Apostrophe"، المتخصص في عالم الكُتَّاب والكتب، والذي كان يجمع أكثر من ثلاثة ملايين مشاهد كل أسبوع، والذي توقّف عن البثّ منذ حوالي الثلاثين عامًا، وإن لم يتوقّف الحديث عنه حتى الآن. لقد دخلت هذه البرامج في خانة النوستالجيا، والحنين إلى "الزمن الجميل". هذا النوع من البرامج الثقافيّة كان يطمح لخلق نقاش ثقافي وفكري متواصل، وإثارة الفضول المعرفي، والدفع إلى التفكير والتأمل، فيزيد من الإبتكارات الثقافيّة وصناعتها.

والحال، ليس من العجب أن تحتجب بعض الصحف أو دور النشر عن العمل في زمن يعتمد على الصورة الجريئة التي مهما بلغت جرأتها لن تشبع الناظر إليها، وعلى الإنتاج الإستهلاكي الذي يعود بالنفع المادّي لصاحبه على حساب تطوّر مجتمع ورقيّه. أعلم أنّ الثقافة كانت ولمّا تزل جهداً شخصيّاً ذاتيّاً بالدرجة الأولى، ولهذا قد يكون الوقت قد حان للثورة على الذات.

الأربعاء، 14 ديسمبر 2016

جبران في ليماسول - قبرص (نسير معاً وعلى دربٍ واحد لا فرق في العرق أو اللون أو الدين. )



كلمتي في حفل إزاحة الستارة عن نصب جبران في ليماسول - قبرص

Honorable Mayor of this lovely city, Limassol
Your Excellency Mr. Youssef Sadaqa
Excellencies the arab ambassadors
Excellecy MP Moussa
Ladies and gentlemen

On behalf of the Gibran National Committee, I would like first and foremost to express my deepest gratitude and respect for the determination of the Lebanese Embassy in Cyprus headed by His Excellency the ambassador Mr. Youssef Sadaqa And the Gibran statue committee who realized this special event. It is Gibran who said: “It is when you give of yourself that you truly give.”
Having Gibran’s monument here today is a touching and a blessed moment to show  the beautiful face of Lebanon who gave Gibran to the world: Gibran the philosopher of humanity, the poet, the painter who raised the name of his country high

Today we honor Gibran by delivering his messages of love, peace,  culture and civilization to the neighboring beloved people of Cyprus with pride.
It is also important is that these messages are to be exchanged between the people of our countries Lebanon and Cyprus
Dear audiences allow finishing my word in Gibran’s native language I mean the Lebanese one.

أيّها الحضور ...

أستأذنكم لأبدأ كلمتي بشكركم جميعاً، وأخصّ بالذكر سفارتنا الجليلة هنا في هذه الجزيرة الرائعة، واللجنة المكلّفة بتحقيق هذا الحدث الكبير، بإسمي الشخصي وبإسم زملائي في لجنة جبران الوطنيّة، ليس فقط لأنّكم استحدثتم هذا النصب الجذّاب، الحامل كيفما نظرنا إليه رسماً لجبران، أو رمزاً يحاكيه، أو قولاً من إبداعاته، بل أيضاً لسببين إضافيّين: أوّلاً، لأنّكم بهذا النصب وما يحمل إنّما تدفعوننا جميعاً الى التعرّف والتفكّر بهذا الرائد من روّاد نهضتنا اللبنانيّة، بأفكاره الإجتماعيّة، والفلسفيّة، أو، ويجوز القول، بآرائه الإنسانيّة على الإطلاق. وثانياً، لأنّ الحدث يجمعنا اليوم ههنا، على هذه الأرض الطيّبة، أرض قبرص، والأحبّ الى قلوبنا جميعاً، وفي هذه المدينة العريقة بالذات، ليماسول، المشبعة تفاعلاً مع ثقافات كلّ العالم وحضاراته. فها أنتم بذلك إنّما تحقّقون الهدف الأوّل للجنة جبران الوطنيّة، والذي ما انفككنا نعمل بهديه، وهو هدف كيانيٌّ، وجوديٌّ، من دونه ما كان للجنة معنى، ولا كانت أهدافها الأخرى، ولا كانت لتتحلّى بالقدرة على الحفاظ على إرث جبران الأدبي والفنيّ الكبير، الذي خصّها به. أمّا الهدف فما هو إلاّ نشر فكر جبران في لبنان حيث مسقط رأسه، وفي دول العالم حيث موطئ قدم الإنسان من أيّة جهة أتى ولأيّ مكان انتمى، والذي خبر جبران قدراته وأحلامه ومآله، فآمن بالمسيرة الإنسانيّة الواحدة المتّجهة حكماً الى النور.
ها هو جبران إذاً ينتصب مرّة أخرى في بقعة من بقاع هذه الأرض. بهذا النصب تثبت الجالية اللبنانيّة هنا، تثبتون، أنّ العمالقة لا تهوي إلاّ صعُداً. فجبران الماثل أمامكم الآن يحمل معه كلّ المحبّة الإنسانيّة الجامعة، وكلّ السلام البشريّ والعالميّ الذي عمل له، مبشّراً وداعياً، طيلة حياته. لقد أثبتّم أيّها الحضور أنّكم قادرون على العطاء من ذاتكم، ومن الذات يكون كلّ العطاء على ما قاله جبران نفسه.
أيّها الحضور...
 قد لا تكتمل كلمتي من دون الإشارة الى عالميّة جبران، وهو الأمر الذي قد يعرفه الكثيرون منكم. معلومٌ أنّ كتاب النبيّ ما يزال حتى الآن الكتاب الأكثر مبيعاً في الولايات المتّحدة الأميريكيّة وفي العالم. ومعلومٌ أيضاً أنّ جبران موجود في أكثر دول العالم، وقد يتجاوز عددها المئة، من خلال معالم ثابتة. وأعني بذلك، ساحات باسمه أو حدائق عامّة، أو نصب تذكاريّة، أو مدارس وكلّيات جامعيّة ... الخ. ولكن، وللأسف، هو ليس على هذه الحال في منطقتنا بالرغم من أنّنا أكثر من يحتاج لوجوده، لدراسة رسالته الخالدة، لتطبيقها والأخذ بها. أقول هذا الكلام بأسى بالغ ذلك أنّ أوضاعنا في كلّ البلاد المحيطة تحتاج الى كلمة سلام ومحبّة وإخاء بشرّي. وإنّي أدعو بهذه المناسبة كلّ المعنيّين وخاصّة وزارات الثقافة والتربية، وكلّ جالياتنا المنتشرة أين مكان على الإمتثال بكم، والإمتثال بهذه الجزيرة المحافظة على إرثها الثقافي والحضاري صيانةً وتكريماً ونشراً وإبداعاً لا يتوقّف. أدعوهم من خلالكم لإعادة النظر ببرامجهم لإدخال أفكار النهضويّين الأجلاّء، جبران والآخرين، والتفكّر برسالتهم والدعوة الى مجاراتهم في الرقي والثقافة.

أيّها الحضور ...
لقد آمن جبران بالمسيرة الإنسانيّة الواحدة. نسير معاً وعلى دربٍ واحد لا فرق في العرق أو اللون أو الدين. درب واحد جامع. وكلّنا عليه سائرون. درب نحاول عبثاً أن نجد بديلاً عنه، لكن لا بديل. ومع علمنا بالأمر لا ننفكّ نبحث عن غيره. درب لكيلا نقف فيه بل لنسير عليه. درب وجد لنعبّده بحجارة الثبات فيغدو مستقيم أو هكذا نظنّ. السير عليه محتّم ومحتّم الوصول عبره. هو بحقّ درب البداية، بداية المسيرة، ودرب الوصول الحتميّ إلى المآل الأخير. وحيد هو الدرب لنا ونحن عليه متفرّقون، متبعثرون. واحد هو ونحن كثرة. فإن تآخينا وتعاونّا وتماسكنا عليه أسرعنا بالمسيرة، وإن اختلفنا فتقاتلنا وتذابحنا أوقفنا المسيرة، إذ كيف للمتقاتلين أن يتقدّموا صعداً؟
جبران هنا ليذكّرنا بهذه المسيرة وهذا الدرب. ليحثّنا على العمل من أجل السلام بين القلوب، ومن أجل الإخاء البشريّ. إنّها الرسالة اللبنانيّة وقد اعترف بها العالم. "لبنان أكثر من بلد إنّه رسالة عيش مشترك للشرق والغرب". وجبران واحد من مبشّريها.
أخيراً ... كان بودّي أن أطيل الكلام أكثر، فأحدّثكم عن عملنا في لجنة جبران، وعن مكانة جبران العالميّة، وعن معارضنا ومؤتمراتنا المنتشرة في كلّ بقاع الأرض، ولكن لكلّ لقاء حبيب كما هذا اللقاء نهاية. لكنّي أعدكم بلقاءات أخرى يوم ترغبون. أمّا الآن فأنهي كلمتي بأنّ لكم كلّ الشكر، وللحضور إنحناءة المدين، وستبقى حماستنا بركاناً كما كانت ولن ينبت على قمّتها أعشاب التردّد. لأنّ قناعتنا هي في أنّ النهر يظلّ جادّاً نحو البحر إنكسر دولاب المطحنة أم لم ينكسر ,,, وشكراً.
د. طارق شدياق
رئيس لجنة جبران الوطنيّة.

ليماسول - قبرص. 10\12\2016