الأحد، 11 أغسطس 2019

ورحلت "مي منسى"


ورحلت "مي منسى"

يوم لم تعد تستطيع الفراشة الإقتراب أكثر من النور




كنت أعلم أن رحيل الفراشة "مي منسّى" لن يمرّ دون أن اكـتب شيئاً عنها. وكنت قد تعرّفت عليها عن كثب في قاعة المحاضرات في فندق "فينيسيا" منذ حوالي العشرين سنة من الآن، يوم كان وفداً من الأدباء اليونان يحاضر عن مكانة جبران خليل جبران في اليونان. وكنت أعرف أنّها من صحفيّات النهار البارزات، ناقدة فنّية وأدبيّة تناولت شخصيّات مهمّة، لبنانيّة وأجنبيّة، في نقدها، الذي خلا دائماً من السخط والغيظ والغضب والإستياء والحنق وحتى الزعل وهو أضعف الإيمان. بعضهم كان يهاجم قلمها المعجب بكلّ شيء كما كان يقول. ومن هذا البعض كان أحد زملائها (لا حاجة لتسميته) في "النهار" وقد عرف كناقد فنّي من الطراز الأوّل. ولكن الفراشة، كانت ابتسامتها من الأعماق، وحبّها صادق، لأنّ تؤمن أنّ في كلّ عمل إنسانيّ ملامسة إبداعيّة يكفي أنّ تتلمّحها حتى لا تعود تكتب إلاّ عنها.



قرأت أنّها قالت مرّة: "نموت حين لا يعود ثمة إنسان نودّ العيش من أجله". كانت ميّ تريد العيش من أجل كثيرين: إبن وهو أحد أسباب ابتسامتها، وأقرباء ورفاق عمل، وبالأخصّ من أجل شقيقتها الحائزة على جائزة ال غونكور الفرنسيّة للشعر... فينوس خوري – غاتا، والتي تكبرها بسنتين. وكانت تناديها بتوأم روحي. وإذ أدركت الفراشة أنّ شعر شقيقتها كافٍ، كما كان دوماً، لإسعادها، وأنّ الزمن البائس الذي نعيش فيه جعل من كلّ من نلتقي به عجينة كآبة، والأهم أنّ أكثر المعارف (الحبايب) رحل يوم انتصرت البداوة على الحضارة، والرصاصة على القلم. التويني والتويني والقصير و ...  يوم أدركت كلّ هذا أدركت أنّ اللحاق بهم لم يعد ينتظر. رحلت وتركت ذاتها هنا: روايات مبتسمة كما المؤلّفة تتحدّث عن الوجع. روايات بقيت لأنّها "انتعلت الغبار ومشت". أمّا هي فرحلت الى حضن أمّها، عادت إليه على صورة الجنين. هناك فوق الى بشرّي عادت، الى مرتع طفولتها وزمن قراءتها لكتابها الأوّل. وسيذيب دفء اللقاء مع الأم رقع الثلج حتى ينبت الأخضر ولا يذبل بعد. ستنام في حضن أمّها كما في وضعيّة الجنين، وسيرتاح الرأس تحت الرأس وستشعر باليدين تغمر رأسها.



بعد أن ضحكنا معاً من ذلك المحاضر اليوناني الذي كان ينسب أقوالاً له وهي لجبران قالت: هلا أدركت الآن عظمة جبران؟!



 سيبقى مثواكِ يا ميّ حيّاً الى الأبد لأنّك ستبقين الإبتسامة على ثغرك الى الأبد. 

                                                                     د. طارق شدياق

السبت، 3 أغسطس 2019

بشري


 بشرّي


يا قطعة من القلب، يا جوهرةً على سجيّتها تعكس النور أضعافاً، يا متّكأ السماء يوم السماء تتعب من التحليق ... يا شامخةً كما الأرز، ومتواضعةً كما الوادي المقدّس... يا أرض الينابيع والجمال... يا نسائم الشفاء ... يا بشرّي يا عروسة الشرق.


بكِ عرفت فضائل المحبّة والأخاء والتعاضد ... لأنّ فيكِ من يسمع، ويفقه، ويردّ. في قلبكِ حنوّ لأنّ في رأسك شموخ. وفيك العضد لأنّ زادك نخوة وإقدام. وفي عقلك رؤية ثوريّة محكمة. أنتِ رفيقة الحزانى لأنّ في قلبك رحمة، وأمّ الغريب لأنّك محبّة صافية. 

وبكِ أيضاً عرفت الغضب والكيد والنكايات... لأنّ فيك أيضاً من لا يسمع ولا يفقه ولا يردّ إلاّ بردّات الفعل الغرائزيّة الفالتة في مكان، وتلك الكلمات القاسية التي تطفو بفطرة وتلقائيّة.وما أن تلفظينها، تلك الكلمات، بجهارة ملفتة حتى تلفظينها عنك بجدارة مدهشة.   

وبكِ يا بشرّي عرفت جمال الوحدة الإنسانيّة يوم تجب، وبشاعة التفرقة في ساعات التخلّي. وأنتِ وحدة وتفرقة في آن ... علو وهبوط مستمرّ كمن يركب الموجة... ولكن تقدّم مستمرّ، فالموجة أبدأً في حراك.