الأربعاء، 26 أغسطس 2020

غسل الأيادي السوداء

 

الإنفجار الكبير: غسل الأيادي السوداء.


وصار الذي صار...


بات الحزن والقلق والغضب والقرف والخوف واليأس يلاحقنا حتى ونحن نيام في مضاجعنا. وبتنا نهرب من أسرّتنا الى الأبعد، الى الغرف المجاورة، الى الشرفات، الى ما نعتقده الأبعد. ولكن الى أين المفرّ؟ وكيف نهرب من ذواتنا وقد لاففتها صور الدماء وذهول الجرحى والموت والدمار ولامبلاة المسؤولين. بحزن نسترجع كلّ صور الشاشات الأليمة، وكلّ صور وتعليقات وأفلام مواقع التواصل الإجتماعي القصيرة. نسترجع الإنفجارات الصغيرة، والإنفجار الكبير. ونسترجع صورة "العصف" البيضاء والسوداء والبرتقاليّة. وبغضب نسترجع تصريحات المسؤولين الذين يحاولون إقناعنا أنّهم غير مسؤولين. بغضب نسمعهم يؤكّدون بعيونهم البلقاء أنّهم غير معنيّين. صحيح أنّهم عرفوا بخطورة ما كان مختزناً ولكن الأمر ليس من صلاحيّتهم، وهم تالياً لا يعرفون شيئاً. ألمسؤولون أقوى منّا نحن الذين لا نعرف كيف نهرب من أسرّتنا الى الأبعد ومن قضايانا الى العدم ... المسؤولون؟! لقد اعتادوا على الهرب.

ما كان لموت الطفلة "ألكسندرا" أن يزرع في نفوسنا الغضب لو أن وفاتها حدثت بسبب مرضٍ أو حادث عرضيّ. أمّا أن يخطف هذا الإنفجار ابتسامتها بإهمالٍ مِن مَن فقد إنسانيّته فالأمر جلل، ويزداد تعاظماً في كلّ ثانية تمرّ. وما كان لموت ذلك الشاب المطمور في حفرة تحت الركام ليدمينا لو سقط بزلّة قدمٍ فيها. أمّا أن يسحبه "العصف" المتفجّر الى الحفرة التي حفرها به، بجسده، ويضعه فيها جثّة هامدة فالأمر جلل، ويزداد تعاظماً في كلّ ثانية تمرّ.  وما كان لتلك السيّدة لو انتابتها دوخة أخلّت بتوازنها فسقطت على السياج المعدني لأدراج البناء أنّ تهزّنا لو لم يحملها الإنفجار في الهواء، ويخبطها على ذلك السياج عند خاصرتها في محاولة لشقّها نصفين، كما تعجز عن تخيّله وتصويره أفلام الرعب، فالأمر جلل، ويزداد أيضاً تعاظماً في كلّ ثانية تمرّ. وآخرون كثر، وصور لهم لا تحصى، والمشاهد مبكية في كلّ وقت نسترجعها، ولكلّ واحد قصّته المحزنة ومشهده المدمي للقلوب. أمّا للمسؤولين جميعاً فلهم قصّة واحدة عنوانها: غسل الأيادي السوداء.


ليس على شفاه أصحاب القصص هؤلاء، المتعبين والمرهقين، الجرحى والمفجوعين، المصدومين والضائعين، العراة من بيوتهم ومن عائلاتهم وقد تشرّد الكلّ، سوى كلمتين إثنتين: "الدولة غائبة"، الدولة ليست معنا في هذا الوقت. هاتان الكلمتان ليستا للسؤال عنها. هم لا يريدونها ولا يثقون بها، ولكن هذا لا يعني أن تكون غائبة. يقولونها ببعض حزن وببعض يأس وبكثير من القرف. ورغم ذلك يبكون غيابها إذ يبكون حالهم. سيظلّون يسألون عنها: "أين الدولة؟"... أين أصبحت الدولة؟... لم يعد السؤال يهمّ أحداً من أولائك الذين تلقّوا صفعة الإهمال بصدورهم، أولائك الذين اهتزّت أجسادهم بوتيرة أسرع  من اهتزاز الزلزال الذي حصل، وصرخوا بأعلى من صوت الإنفجار الذي دوى. لم يعد السؤال يهمّهم وما عاد أحد منهم ليسأل عن الدولة المنتحرة، فالأموات لا يسألون عن الموتى. ولكنّهم يتحسّرون على مئة سنة مرّت على إنشاء بلدهم، وعلى كلّ تعب الأجداد وذلك العرق والقلق والسهر والخوف، وكلّ تلك الصلوات. لا يسألون عن السلطة ولكنّهم يرسمون علامات القرف من مسؤولين أميع من العلق وأقذر من القيء.

وعندما يأتي المساء، ويفرش السكون هيبته على الجميع، يجلس أصحاب القصص هذه في صدور بيوتهم المفتوحة الى الخارج حيث لا جدران ولا أبواب ولا شبابيك، ولا حتى سقوف، وينظرون الى المرفأ، الى مسرح الجريمة حيث باتت الشمس تخجل من أن تغيب كما في العادة، فيروا جبروت الغرب، أساطيل وطائرات، حاملات رعب ومدمّرات، راسيات لتمنع المرفأ من الرحيل الى مكان آخر. ويشعروا بأنّ المكان الآخر يرصد هذه القدرة والزبد يفأفئ فوق لعابه. غرب ما شاء يوماً أن يترك هذه الخاصرة الشرق أوسطيّة، وأن يرحل عنها ولا يعود يسأل، وشرق ما كان يرى في كلّ الغابرات من السنين إلاّ هذه الخاصرة الشرق أوسطيّة التي كانت تستهويه وما زالت الى الآن. خاصرة تثيره، تجذبه وتزيد من شطط لعابه فيأتي إليها مالكاً من دون أن يسأل قبولها. وهم، أصحاب القصص، فيما يرونه ويشعروا به يدخلون لعبة الأمم التي أوشكت أن تنتهي. ويرسمون خارطةً سايكس – بيكويّة تنسيهم حزنهم والآهات، ويزداد اشمئزازهم لمسؤوليهم الغائبين والذين ينتظرون مثلهم نهاية اللعبة ليعرفوا كيف سيقتسمون القالب الجديد.

وإذ يحين موعد سماع صوت جرس كنيستهم يستعيدون حال عشيرتهم المزرية. أين كانوا وأين صاروا. فيبكون بؤسهم والتفاهات، تخلّفهم والعقد، جنون عظمتهم وفراغات الرؤوس. ويشعرون بلعيان النفس إثر سماع جماعتهم يتراشقون السخافات، ويتقازفون الإهانات، فيعودون بالحنين الى زمن ولّى، الى قادة عرفوا قيمتهم بعد رحيلهم، الى قادة كبار، حافظوا على كبرهم رغم كلّ أخطائهم.  ويتساءلون هل يبكون سخرية الأقدار أم سخرية أولائك المرضى، الأميّين، الصبية المشاكسين، المراهقين المتخلّفين وقد نصّبوا أنفسهم زعماء، وقد قاربت أعمار البعض منهم أن تلمس العقود التسعة من الزمن. يبدو أنّ الزمن لو جار على جماعة، أصابها أين مكان، في كلّ جهة، في كلّ ثوابتها، في كلّ منظوماتها. ولكنّهم لا يستسلمون ولن يفعلوا. يفكّرون بأجدادهم، أولائك الأبطال، الذين قبعوا كما هم في أماكن وعرة، لسنوات طوال. في الماضي كان إسم تلك الأماكن وادي قنّوبين، واليوم إسمها منطقة المرفأ. وكما كان لتلك رجالها وقدّيسيها، سيكون لهذه رجالها وقدّيسيها أيضاً. وكما كان لتلك رجال نهضة عظماء غيّرت وجه الشرق بأكمله، سيكون لهذه أيضاً رجال نهضة عظماء وسيغيّرون العالم بأسره. 


 


 وتمرّ الساعات ويشتدّ السكون، وتسدل ستارة حلمهم وبؤسهم وحزنهم وقرفهم، ويرجعون رؤوسهم الى الوراء وينظرون الى الأعلى مستعطفين.