الخميس، 10 مارس 2016

سهيل بشروئي؛ منارة جبرانيّة

سهيل بشروئي: منارة جبرانيّة.
د. طارق شدياق. (رئيس لجنة جبران الوطنيّة).
الحركة الثقافيّة أنطلياس. مهرجان الكتاب الخامس والثلاثين. 10 آذار 2016.


الحضور ...
أمّا كلمتي فستتناول العلاقة التي كانت تربطنا بسهيل بشروئي، والتي محورها جبران نفسه من ناحية، وأهداف أخرى تلاقت لتكتمل أهمّها، نشر فكر مبدعنا العالمي في لبنان وفي البلاد العربيّة وفي العالم. تدركون إذاً، ولا شك، أنّ المسيرة الإنسانيّة الواحدة المتّجهة حكماً الى النور والإخاء البشري والسلام العالمي، هو ثالوث خطّه جبران ونسير عليه منذ أكثر من إثنتين وثمانين سنة، ومشى أيضاً عليه البشروئي بخطى ثابتة واثقة. إنّ هذا الثالوث هو ما جمعنا والراحل الكبير وما زال الى الآن، وحتى بعد رحيله. سأتناول إذاً تاريخ هذه العلاقة بإيجاز. وسأؤكّد ما هو معلوم منها، وقد أكشف ما هو مخفي. همّي من كلّ هذا أن أضيء على بعض مزايا الراحل الكبير، متوقّفاً عند بعض مراحل هذه العلاقة أو بعض محطّاتها، مؤكّداً أن ميزّات قمم الفكر في العالم كانت مكتملة عنده كما سيأتي لاحقاً.

علاقتنا بالأديب والمفكّر سهيل بشروئي تعود الى حوالي الربع قرن. وقد كان، منذ ذلك الوقت، قد احتلّ مكانة المرجع الكبير في الدراسات الجبرانيّة. قبل ذلك، كنت أغرق في ما سمّي بــِ "الحمّى الجبرانيّة"، وهو تعبير ابتكره بشروئي نفسه، للدلالة على فورة الكتب والأبحاث والدراسات التي تظهر كما الفطر عن جبران. كنت إذاً انتقل من مرجع الى آخر، لأستزيد معرفة بجبران وبفكره وباهتماماته المختلفة من ناحية، ومعرفةً أيضاً بأدب المهجر فأقارن ما بين الأدباء أنفسهم وأدخل من هذا الباب الى أتون الثقافة العامّة المتصدّية، هكذا في المفهوم الثقافي العام، لكل ما يقف حاجزاً أمام الرقيّ الإنساني. وكان اسم سهيل بشروئي يتصدّر أعلام المراجع القيّمة عن جبران تحديداً. أقول المراجع القيّمة لأنّه، بالرغم من هذه الطفرة، من هذا العديد من الكتب المتعلّقة بجبران، كان القيّم منها قليل وما زال. وكان مجرّد ذكر اسم البشروئي في ثبت المراجع لكتاب ما، كفيل وحده بإضفاء صفة القيمة على هذا الكتاب. وهذه هي الميزة الأولى للرجل في عجالتي هذه.
وإذ ندرت المراجع القيّمة التي كنت أبحث عنها رحت أتابع كلّ أعمال سهيل البشروئي في ذلك الوقت. ووقع بين يديّ كتابان أخضران مختصّان بجبران تصدّرهما إسمه. واحد يتضمّن مختارات من أدب جبران في العربيّة والإنكليزيّة، صدر في العام 1970 في مهرجان جبران العالمي، عن دار المشرق، وآخر يتضمّن أبحاث المؤتمر الأوّل للدراسات الجبرانيّة والذي أقيم في الجامعة الأميريكيّة في بيروت، والذي صدر عن مكتبة لبنان في العام 1981. لم يأتِ الكتابان بجديد في ما خصّ المعرفة الجبرانيّة، ولكن كان أهمّ ما فيهما ذاك الثبت من المراجع الهائلة عن جبران: كتبه، رسائله، الكتب الصادرة عنه، والكتب التي تناولته بالبحث، المقالات المتعدّدة في الصحف والمجلاّت اللبنانيّة والعربيّة والعالميّة. لقد فاقت هذه المراجع عدد الخمسمئة مرجع ثابت أصيل. اليوم، فَقد الكتابان من المكتبات، ولكنّهما كانا إشارة دامغة على عمل البشروئي الدؤوب، المتواصل فيما خصّ جبران. لقد شكّلا دلالة على عشقه لصاحب النبيّ وعلى التماهي معه على الأقلّ في كونهما معاً لم يكونا ليضيّعان وقتاً فيما أرادا الوصول إليه، وهو في النهاية، السلام العالميّ المفقود حتى هذه اللحظة. عمل دؤوبٌ إذاً، متواصل لا يعرف الكلل أو الملل، ميزة من ميّزات قمم الفكر، من ميّزات سهيل. ورحت بعد ذلك أمنّي النفس بمقابلته لا لأستفيد منه معرفة فيما يَعرف بل لأسأله لماذا جبران من بين كلّ أدباء العالم قاطبةً وهو المتخصّص بالأدب العالمي من جامعات بريطانيا؟

في العام 1998، وكنت قد انتخبت عضواً في لجنة جبران الوطنيّة من قبل سنة، وعُرفت من بين زملائي في اللجنة بنشاطي الثقافي العام والجبراني تحديداً بحيث كنت مسؤولاً عن قرارات اللجنة الثقافيّة، تلقّيت اتّصالاً من رئيس اللجنة للحضور الى مكاتبها في بيروت، فالأمر هام على ما ذكر وإنّ قراراً لا بدّ سيتّخذ، إذ سنجتمع معاً مع سهيل بشروئي القادم خصّيصاً ليقابلنا من الولايات المتّحدة الأميريكيّة. ورأيته للمرّة الأولى. كان سؤاله الأوّل لنا عن حال الإرث الجبراني، الأدبي والفنّي، الذي نملك. وبدا أنّه شعر بالراحة إذ علم أن صيانتنا لهذا الإرث دائمة مستمرّة لا تتوقف، كما هي الحال اليوم، راح يحدّثنا عن أعماله ومشاريعه الجبرانيّة العديدة. وطال اجتماعنا، وسمعته يتكلّم بهدوء العالم، وبعذوبة المتمكّن من الألفاظ والمفردات، وببصيرة العارف بما يريد. حدّثنا إذاً، عن أعماله الجبرانيّة فإذا به يعمل على ثلاثة كتب دفعة واحدة: دراسة نقديّة عن كتاب النبي لجبران، وآخر عن حياة جبران مفصّلة وموثّقة، وثالث عن الأدباء اللبنانيّين الثلاثة الذين أبدعوا في اللغة الإنكليزيّة، الريحاني وجبران ونعيمة. وقد صدر على ما أعتقد الكتابان الأوّلان، أمّا الثالث فلم يصدر مع اعتقادنا الراسخ بأنّه كان قد انتهى منه مخطوطاً على الأقلّ. بعد ذلك، نظر البشروئي إلينا وأسرّ لنا بأنّه بصدد تأسيس كرسي جبران في جامعة ماريلاند في ولاية ماريلاند الأميريكيّة. وراح يحدّثنا عن أهدافها التي تتلخّص في الدعوة الى السلام العالمي عبر جبران وما دعا إليه. وسألنا أن نشارك بتأسيسها. فنحن، والكلام له، ورثة جبران، نملك ضعفَيّ ما يملكه العالم من إرث هذا المفكّر الكبير. والحال، لا يجوز إلاّ أن نكون معاً  لنحمل هذا المشروع الضخم. وسكت ليسمع جوابنا. أهمّ ما كان في الرجل هدوئه الفكري، رصانته وثقته بنفسه. كنّا نراه للمرّة الأولى، ولكنّها كانت كافية لكي  نعرف أن هدوء أهل القمم، ميزة يتحلّى بها هي الأخرى. والهامّ أيضاً كان حبّه الكبير للبنان، لقد فاق حبّه لهذا البلد الصغير حبّ أولائك الذين صوّروه جبلاً وساحلاً واخضراراً وهواءً وفصولاً وقمم بيضاء. لقد طبّق بالفعل مقولة جبران "إن لم يكن لبنان وطني لاتّخذت لبنان وطني". لقد كان حقّاً مثيراً للإعجاب. لذلك عندما نظر إلينا يريد جواباً لسؤاله، قابلناه بابتسامات الرضى والقبول إذ كان القرار، في سريرتنا، قد اتُّخذ.
وجرى افتتاح كرسي جبران في جامعة ماريلاند في العام 1999، بحضور اللجنة ومشاركتها في المؤتمر العالمي الأوّل للدراسات الجبرانيّة، حيث كان السلام العالمي عنوانها. وبقينا على علاقة مع سهيل بشروئي ومحورها كما دائماً كان جبران. وراح هو يوسّع من اتّصالاته في كلّ الإتجاهات من بلاد الأرض ليجمع حول كرسي جبران أكبر عدد من دارسي جبران وباحثي شؤونه وشجونه. وكان يطلعنا على كلّ كتاب جديد عن جبران، أو تقريباً على كلّ كتاب جديد، يصدر في العالم ولا يبخل علينا برأيه فيه.
في منتصف العام 2010، انتخبت رئيساً للجنة جبران الوطنيّة. وكان أوّل ما كنت أريد تحقيقه هو إقامة معرضٍ لرسومات جبران في سيدني في أوستراليا معتمداً، أو الأصحّ، متّكلاً على الجالية اللبنانيّة الكبيرة هناك. وأقمته في بداية العام 2011 وحقّق نجاحاً عالميّاً كبيراً. وكان أوّل اتّصال بشأنه تلقّيته من سهيل بشروئي نفسه. لقد تابعه بحرص الأمين على جبران. وأطلعني على الأصداء الإيجابيّة عنه في ماريلاند، وعلى ما ذكرته المجلاّت الأميريكيّة عنه. كان يخاف على جبران ويخاف علينا ولذلك تابعنا عن كثب. ثمّ أسرّ لي عن مشروع جبراني يعدّه على أن يطلعني عليه في القريب العاجل. وراح كلّ منّا يتابع عمله في الشأن الجبراني حتى أتى ذلك "القريب العاجل"، وإذا بالرجل قد أعدّ العدّة للمؤتمر العالمي الثاني للدراسات الجبرانيّة في أيّار العام 2012، والذي سيكون بعنوان: قراءة جبران في زمن العولمة والصراعات. وبدا أنّ أهمّ ما في المؤتمر هو الإعلان عن قيام الجمعيّة العالميّة للدراسات الجبرانيّة، والتي أرسل لنا نظامها الأساسي والداخلي للموافقة عليه. وبدا أيضاً أن تشكيل مجلس إدارة هذه الجمعيّة سيتمّ انتخاباً من قبل خمس وثلاثين دولة في العالم، وذلك في آخر يوم من المؤتمر. من وقتها كادت الاتصالات فيما بيننا أن تكون يوميّة، أو ليليّة على الأصح. وكان يشدّد فيها على حضورنا إذ في غيابنا، هكذا كان يقول، لن يكتمل المؤتمر. وكان في كلّ اتّصال يجدّد أهميّة دور اللجنة في كلّ مكان يكون فيه جبران. وكنت بدوري أؤكّد له عن دعمنا المطلق لكلّ ما يطلبه المؤتمر، أمّا مسألة حضورنا فأمر لم يتّخذ به القرار بعد، ولكنّي سأعمل جاهداً لأن أكون هناك. في آخر اتّصال معي أعلمنّي أنّه يشعر بأنني أتوجّس من أمر ما في مسألة المؤتمر والجمعية المفترضة، ومن دون أن يسألني أكثر قال لي: تعال وسأبدّد لك كلّ هاجس.
وكان المؤتمر في بداية شهر أيّار من العام 2012، وكنّا هناك مع خمس وثلاثين دولة يجمعنا جبران ذلك القادم من أصغر دولة من بينها. وكان الفرح والزهو يجمعنا نحن والبشروئي. وكان أهمّ ما في المؤتمر بالنسبة لنا هو حضور  رئيس كرسي جبران في كلّ المداخلات والدراسات القيّمة التي قدّمت خلال المؤتمر، وحضوره أيضاً ما بعد المؤتمر في اللقاءات الجانبيّة الليلية معه. وسألني وكنّا نسير معاً في حديقة الجامعة في تلك الليلة، ما كان ذلك الشيء الذي أقلقك قبل مجيئك؟ ورددت بالصراحة التي يحبّها. قلت له: أنت تعلم أن لجنة جبران هي وريثة إرثه حقوقيّاً على الأقلّ، وأنت تردّد الحقّ في أنّنا نملك وحدنا ثلثي الإرث الجبراني في العالم. وتعلم أنّنا نضع كل هذا الإرث في تصرّف الباحثين ودارسي جبران في أيّ وقت يطلبون منّا ذلك. فكيف تريدني وأنا المؤتمن عليها أن أضعها في بازار انتخابات مجلس إدارة الجمعية الناشئة. أليس من الأفضل أن نبقى خارجها وأن نتعهّد بدعم الجمعية الكامل بكل ما نملك، بدلاً من نكون داخلها عرضةً لتجاذبات وأهواء لا نقبلها لأنفسنا؟ وابتسم قائلاً لو عرفت مخاوفك تلك لأرحتك منذ اللحظة الأولى. اللجنة لن تدخل مسألة الانتخابات أبداً. اللجنة ستكون العضو الوحيد الدائم في الجمعيّة، وكلّ ما عداها سيتمّ انتخابه. وسنعلن عن ذلك صراحةً وسندخل هذا الأمر في نظام الجمعيّة الداخلي. وأدركت أنّ ميزة بعذ من ميّزات أهل القمم يقبض عليها الرجل وهي ميزة التواضع.
وانتهى المؤتمر كما رسمه البشروئي. وبقينا على اتّصال كان آخرها رغبته بتقديم جائزة الكرسي لي لسنة ال 2015. كان ذلك قبل وفاته بستّة أشهر تقريباً.
رحل البشروئي كما رحل جبران. وكما بقي جبران خالداً حتى اليوم سيبقى هو في قلوب محبّيه الكثر وفي أفكارهم. أنهي كلمتي عند هذا الحدّ علّني قدّمت للراحل وفاءً من القلب.
وشكراً.