السبت، 31 ديسمبر 2016

الصحف اللبنانيّة الى زوال وثقافة الحواس

الصحف اللبنانيّة الى زوال؟

 من هو المسؤول عن عدم قدرة الصحف على الإستمرار في لبنان لتجد نفسها تتّجه الى الإحتجاب؟ قد تكون الأسباب كثيرة ومتنوعّة ولكن أهمّها هو عدم الوعي الكامل عند جيل اليوم على الأخصّ لضرورة وأهميّة القراءة بشكل عام. ومن المسؤول عن هذا الأمر؟ هم كثر بالتأكيد، وأهمّ هؤلاء المسؤولون عن التنشئة الثقافية العامّة. عن هذه الإشكاليّة المهمّة سأتحدّث في عجالتي هذه.
نحن نعيش ثقافة الحواس، ثقافة الإستهلاك. لم نعد نشعر إلاّ بأعيننا وبآذاننا. أمّا العين فلا تعرف شبعاً ممّا ترى، لا ولا الأذن ممّا تسمع. ولهذا نحن لم نعد نشعر كما يجب أن نفعل. هناك علاقة جدليّة بين المعرفة والإحساس. فإذا انتفت الأولى غيّرت الثانية من سيرها الطبيعي وتاهت في كلّ اتّجاه. فأنت لا تعرف كيف تشعر إذا لم تتّصل بثقافات الغير وبآرائهم وبخبراتهم، بل سيبقى شعورك فطريّاً، بدائيّاً، ضيّقاً، مائلاً الى الغرائزيّة. أمّا باب الولوج الى المعرفة فما هو إلاّ القراءة وهي أوّل وسيلة للتعلّم الذاتي ولكسب المهارات ولنمو الشخصيّة بالإتّصال بالثقافات المتعدّدة. إقرأ إذاً، لتواكب العصر، لتعرف أن تميّز فتناقش بعلم، لتطوّر مدارك عقلك وقدرات فكرك، لتساهم في بناء حضارة مجتمعك والعالم.
كلّ ما يحيط بنا اليوم يعزّز من ثقافة الحواس، وأهمّ هذا الكلّ وسائل الإعلام المرئيّة عندنا. وعليه نسأل أين البرامج الثقافيّة أو حتى المعرفيّة على شاشاتنا؟ إن تلفزيونات اليوم وعلى مدى سنين غيّبت الحسّ الثقافي المعرفي عن جيل اليوم واستبدلته بما تسمّيه المنوّعات الترفيهية لتساير المنطق الإستهلاكيّ التي نتخبّط به. أمّا أثر هذا التغييب فكان في تدنّي نسبة القرّاء وعدولهم عن المعرفة الفكريّة بالمشاهدة العينيّة لكلّ ما هو برّاق. لا أعلم إذا ما كانت التلفزيونات تدرك أنّها تساهم في هبوط الرقي الاجتماعي بما تقدّم من برامج برّاقة للعين دون العقل، ولكنّي أعتقد أنّها كانت سبباً في إحجام الجيل الشاب عن القراءة وبالتالي ساهمت في دفع دور النشر، نشر الكتب والصحف والمجلاّت، الى التفكير في الإحتجاب. وسأضرب في ذلك مثلين:
الأوّل، يتعلّق بصدور شريط مصوّر أنتجه على ما عرفنا أحد التلفزيونات يتناول أغنية مبتذلة، جنسيّة الإيحاء، بقصد التوعية الى سخافة ما ينتج اليوم. وكان العنوان المعطى لهذا العمل شعار ثقافي بامتياز: " بلا سخافة، عيشوا الثقافة ". المفارقة أنّ هذا التلفزيون نفسه، كباقي التلفزيونات، لا يفسح في برامجه مجالاً لبرنامج ثقافي واحد ولو في الشهر. الأشدّ مفارقة أنّ نسبة مشاهدة هذا الشريط بلغت أكثر من نصف مليون مشاهدة في أقلّ من أسبوع. حتى في محاربة الإبتذال ننحدر الى الإبتذال نفسه. أمّا المضحك، فكان في مقابلة لبطلة الشريط تنصحنا بقراءة كتاب ولو واحد في الشهر بدلاً من مشاهدة شريطها المصوّر وأمثاله. 

الثاني، هو استذكار للبرنامج الفرنسي  "Apostrophe"، المتخصص في عالم الكُتَّاب والكتب، والذي كان يجمع أكثر من ثلاثة ملايين مشاهد كل أسبوع، والذي توقّف عن البثّ منذ حوالي الثلاثين عامًا، وإن لم يتوقّف الحديث عنه حتى الآن. لقد دخلت هذه البرامج في خانة النوستالجيا، والحنين إلى "الزمن الجميل". هذا النوع من البرامج الثقافيّة كان يطمح لخلق نقاش ثقافي وفكري متواصل، وإثارة الفضول المعرفي، والدفع إلى التفكير والتأمل، فيزيد من الإبتكارات الثقافيّة وصناعتها.

والحال، ليس من العجب أن تحتجب بعض الصحف أو دور النشر عن العمل في زمن يعتمد على الصورة الجريئة التي مهما بلغت جرأتها لن تشبع الناظر إليها، وعلى الإنتاج الإستهلاكي الذي يعود بالنفع المادّي لصاحبه على حساب تطوّر مجتمع ورقيّه. أعلم أنّ الثقافة كانت ولمّا تزل جهداً شخصيّاً ذاتيّاً بالدرجة الأولى، ولهذا قد يكون الوقت قد حان للثورة على الذات.

الأربعاء، 14 ديسمبر 2016

جبران في ليماسول - قبرص (نسير معاً وعلى دربٍ واحد لا فرق في العرق أو اللون أو الدين. )



كلمتي في حفل إزاحة الستارة عن نصب جبران في ليماسول - قبرص

Honorable Mayor of this lovely city, Limassol
Your Excellency Mr. Youssef Sadaqa
Excellencies the arab ambassadors
Excellecy MP Moussa
Ladies and gentlemen

On behalf of the Gibran National Committee, I would like first and foremost to express my deepest gratitude and respect for the determination of the Lebanese Embassy in Cyprus headed by His Excellency the ambassador Mr. Youssef Sadaqa And the Gibran statue committee who realized this special event. It is Gibran who said: “It is when you give of yourself that you truly give.”
Having Gibran’s monument here today is a touching and a blessed moment to show  the beautiful face of Lebanon who gave Gibran to the world: Gibran the philosopher of humanity, the poet, the painter who raised the name of his country high

Today we honor Gibran by delivering his messages of love, peace,  culture and civilization to the neighboring beloved people of Cyprus with pride.
It is also important is that these messages are to be exchanged between the people of our countries Lebanon and Cyprus
Dear audiences allow finishing my word in Gibran’s native language I mean the Lebanese one.

أيّها الحضور ...

أستأذنكم لأبدأ كلمتي بشكركم جميعاً، وأخصّ بالذكر سفارتنا الجليلة هنا في هذه الجزيرة الرائعة، واللجنة المكلّفة بتحقيق هذا الحدث الكبير، بإسمي الشخصي وبإسم زملائي في لجنة جبران الوطنيّة، ليس فقط لأنّكم استحدثتم هذا النصب الجذّاب، الحامل كيفما نظرنا إليه رسماً لجبران، أو رمزاً يحاكيه، أو قولاً من إبداعاته، بل أيضاً لسببين إضافيّين: أوّلاً، لأنّكم بهذا النصب وما يحمل إنّما تدفعوننا جميعاً الى التعرّف والتفكّر بهذا الرائد من روّاد نهضتنا اللبنانيّة، بأفكاره الإجتماعيّة، والفلسفيّة، أو، ويجوز القول، بآرائه الإنسانيّة على الإطلاق. وثانياً، لأنّ الحدث يجمعنا اليوم ههنا، على هذه الأرض الطيّبة، أرض قبرص، والأحبّ الى قلوبنا جميعاً، وفي هذه المدينة العريقة بالذات، ليماسول، المشبعة تفاعلاً مع ثقافات كلّ العالم وحضاراته. فها أنتم بذلك إنّما تحقّقون الهدف الأوّل للجنة جبران الوطنيّة، والذي ما انفككنا نعمل بهديه، وهو هدف كيانيٌّ، وجوديٌّ، من دونه ما كان للجنة معنى، ولا كانت أهدافها الأخرى، ولا كانت لتتحلّى بالقدرة على الحفاظ على إرث جبران الأدبي والفنيّ الكبير، الذي خصّها به. أمّا الهدف فما هو إلاّ نشر فكر جبران في لبنان حيث مسقط رأسه، وفي دول العالم حيث موطئ قدم الإنسان من أيّة جهة أتى ولأيّ مكان انتمى، والذي خبر جبران قدراته وأحلامه ومآله، فآمن بالمسيرة الإنسانيّة الواحدة المتّجهة حكماً الى النور.
ها هو جبران إذاً ينتصب مرّة أخرى في بقعة من بقاع هذه الأرض. بهذا النصب تثبت الجالية اللبنانيّة هنا، تثبتون، أنّ العمالقة لا تهوي إلاّ صعُداً. فجبران الماثل أمامكم الآن يحمل معه كلّ المحبّة الإنسانيّة الجامعة، وكلّ السلام البشريّ والعالميّ الذي عمل له، مبشّراً وداعياً، طيلة حياته. لقد أثبتّم أيّها الحضور أنّكم قادرون على العطاء من ذاتكم، ومن الذات يكون كلّ العطاء على ما قاله جبران نفسه.
أيّها الحضور...
 قد لا تكتمل كلمتي من دون الإشارة الى عالميّة جبران، وهو الأمر الذي قد يعرفه الكثيرون منكم. معلومٌ أنّ كتاب النبيّ ما يزال حتى الآن الكتاب الأكثر مبيعاً في الولايات المتّحدة الأميريكيّة وفي العالم. ومعلومٌ أيضاً أنّ جبران موجود في أكثر دول العالم، وقد يتجاوز عددها المئة، من خلال معالم ثابتة. وأعني بذلك، ساحات باسمه أو حدائق عامّة، أو نصب تذكاريّة، أو مدارس وكلّيات جامعيّة ... الخ. ولكن، وللأسف، هو ليس على هذه الحال في منطقتنا بالرغم من أنّنا أكثر من يحتاج لوجوده، لدراسة رسالته الخالدة، لتطبيقها والأخذ بها. أقول هذا الكلام بأسى بالغ ذلك أنّ أوضاعنا في كلّ البلاد المحيطة تحتاج الى كلمة سلام ومحبّة وإخاء بشرّي. وإنّي أدعو بهذه المناسبة كلّ المعنيّين وخاصّة وزارات الثقافة والتربية، وكلّ جالياتنا المنتشرة أين مكان على الإمتثال بكم، والإمتثال بهذه الجزيرة المحافظة على إرثها الثقافي والحضاري صيانةً وتكريماً ونشراً وإبداعاً لا يتوقّف. أدعوهم من خلالكم لإعادة النظر ببرامجهم لإدخال أفكار النهضويّين الأجلاّء، جبران والآخرين، والتفكّر برسالتهم والدعوة الى مجاراتهم في الرقي والثقافة.

أيّها الحضور ...
لقد آمن جبران بالمسيرة الإنسانيّة الواحدة. نسير معاً وعلى دربٍ واحد لا فرق في العرق أو اللون أو الدين. درب واحد جامع. وكلّنا عليه سائرون. درب نحاول عبثاً أن نجد بديلاً عنه، لكن لا بديل. ومع علمنا بالأمر لا ننفكّ نبحث عن غيره. درب لكيلا نقف فيه بل لنسير عليه. درب وجد لنعبّده بحجارة الثبات فيغدو مستقيم أو هكذا نظنّ. السير عليه محتّم ومحتّم الوصول عبره. هو بحقّ درب البداية، بداية المسيرة، ودرب الوصول الحتميّ إلى المآل الأخير. وحيد هو الدرب لنا ونحن عليه متفرّقون، متبعثرون. واحد هو ونحن كثرة. فإن تآخينا وتعاونّا وتماسكنا عليه أسرعنا بالمسيرة، وإن اختلفنا فتقاتلنا وتذابحنا أوقفنا المسيرة، إذ كيف للمتقاتلين أن يتقدّموا صعداً؟
جبران هنا ليذكّرنا بهذه المسيرة وهذا الدرب. ليحثّنا على العمل من أجل السلام بين القلوب، ومن أجل الإخاء البشريّ. إنّها الرسالة اللبنانيّة وقد اعترف بها العالم. "لبنان أكثر من بلد إنّه رسالة عيش مشترك للشرق والغرب". وجبران واحد من مبشّريها.
أخيراً ... كان بودّي أن أطيل الكلام أكثر، فأحدّثكم عن عملنا في لجنة جبران، وعن مكانة جبران العالميّة، وعن معارضنا ومؤتمراتنا المنتشرة في كلّ بقاع الأرض، ولكن لكلّ لقاء حبيب كما هذا اللقاء نهاية. لكنّي أعدكم بلقاءات أخرى يوم ترغبون. أمّا الآن فأنهي كلمتي بأنّ لكم كلّ الشكر، وللحضور إنحناءة المدين، وستبقى حماستنا بركاناً كما كانت ولن ينبت على قمّتها أعشاب التردّد. لأنّ قناعتنا هي في أنّ النهر يظلّ جادّاً نحو البحر إنكسر دولاب المطحنة أم لم ينكسر ,,, وشكراً.
د. طارق شدياق
رئيس لجنة جبران الوطنيّة.

ليماسول - قبرص. 10\12\2016

الأحد، 13 نوفمبر 2016

Vers la luniere .... مشاركتي في محاضرة عن كتاب الدكتور نبيل داغر عن جبران في Salon du livre - Biel


,Mesdames et Messieur

Permettez – moi de prime abord de remercier les organisateurs, notamment la librairie Antoine, pour cette rencontre importante qui nous réunit aujourd’hui autour d’un livre remarquable, d’une pièce de valeur, celle du Dr. Nabil Dagher, qui a essayé de donner une image assez  complète de Gibran Khalil Gibran. Je dirais plutôt, une image ‘’raisonnablement’’ complète parce que notre
grand poète – penseur, est toujours et restera je pense, une source
intarissable de découvertes. Nous, Comité National de Gibran, tenons à saluer avec une grande admiration et un profond respect le travail de notre auteur-médecin.
En effet ce livre vise particulièrement l'un de nos principaux objectifs, à savoir, la promotion des idées de Gibran, de sa pensée humaine et philosophique dans les quatre coins du monde.
La réalisation de cet objectif constitue un long travail, chargé et continu dont je vais vous exposer dans ce qui suit quelques exemples.
Nous avons organisé au cours des cinq dernières années, trois expositions internationales des dessins de Gibran, en Australie, au Brésil et à Sharjah aux Emirats Arabes Unis. La presse internationale a couvert l'ensemble de ces activités. Nous avons aussi organisé des expositions au Liban, comme à Gemayzeh – Achrafieh, au Campus de la Faculté des Sciences Humaine à L’USJ, à l’AUB, dans la Bekaa à l’Université Libanaise Internationale, et à Jbeil lors du Festival International. Nos expositions se poursuivent. Nous serons bientôt à Paris, à Londres, et en Australie pour la deuxième fois. C’est grâce à ce genre d’activités que nous réalisons, je l’espère, cet important objectif.
Nous donnons également de nombreuses conférences qui traitent les idées de Gibran partout au Liban et ailleurs. Ces conférences accompagnent, en général toutes nos expositions et nous permettent aussi de répandre les idées de Gibran là où nous nous trouvons.
En plus de cela, nous proposons continuellement des concours sur des sujets gibraniens aux écoles du Liban. Les élèves gagnants sont récompensés par des prix d’honneur et d’encouragement.
Permettez-moi de souligner que toute étude concernant Gibran, faite par qui que ce soit, traitant de sa vie, de son œuvre ou de ses peintures, trouvera tout notre soutien. Nous disposons de nombreuses références, de manuscrits, et de peintures au Musée de Gibran que nous gérons depuis plusieurs dizaines d’années à Bcharreh sa ville natale.

Mesdames et messieurs,
Tout ce qui vient d’être mentionné nous mène à dire que ce livre, cette pièce, révèle toute son importante dans ce contexte de promotion et de compréhension de Gibran. Raison pour laquelle, elle mérite tout notre respect et notre admiration comme je le disais plutôt. En effet, le livre s’avère être un résumé clair et précis des idées principales de Gibran. Lire ces cinquante pages semble suffisant pour se faire une correcte idée de ce que représente ce grand génie mondialement reconnu. Je salue les efforts de l'auteur, qui a réussi en quelques mots à le raviver. Et je suis également en admiration pour sa vision de l’avenir, de notre avenir, qu’il a su poser en complétant les derniers mots de Gibran prononcés par son prophète. Je cite: ‘’Un petit instant, un moment de repos sur le vent et une autre femme me portera à nouveau en son sein’’ (fin de citation). Ici, cette vision s’étend au-delà de la mort de Gibran où, dans une école orientale, des enfants sont assis à écouter leur maitresse, et l’un d’entre eux sourit. Gibran est parmi nous, il ne nous a pas quitté, il est toujours vivant. Nous en sommes tous les témoins. Je vous remercie pour votre attention et je salue ce petit bout de Gibran qui sommeille en chacun de nous.


الأربعاء، 17 أغسطس 2016

إطلاق مهرجانات الأرز الدوليّة

المؤتمر الصحفي
إطلاق مهرجانات الأرز الدوليّة لصيف 2016
)فندق لو روايال، 17 أيار)



 الشكر لكم جميعاً لمشاركتنا هذا المؤتمر الخاص بإطلاق مهرجانات الأرز الدوليّة لهذه السنة، صيف العام 2016، وهي السنة الثانية على التوالي منذ أن عادت المهرجانات الى الأرز بعد غياب خمسين سنة.

والشكر الكبير أيضاً لمعالي وزير السياحة، الأستاذ ميشال فرعون، الذي واكبنا في السنة المنصرمة ويواكبنا هذه السنة أيضاً، بدعمه الأكيد، إمتيازات وتسهيلات، كما يفعل على مساحة الوطن، من باب الإيمان المشترك أن صورة لبنان الحقيقيّة في حبّه للحياة والحقّ والجمال، يجب أن تظهر جليّة واضحة لا لبس فيها.  ولا غروة أنّ معاليه أثبت، منذ أن تولّى المسؤوليّة في وزارته، أنّه يتمتّع بشخصيّة وطنيّة، ديناميكيّة، ليقرب بها من لبنان جبران، الذي حلم به نابغتنا وأراده لبني أمّه وكتب عنه..
والشكر الكبير الكبير، لرئيسة مهرجانات الأرز الدوليّة سعادة النائب "ستريدا جعجع"، ليس فقط لحملها مسيرة هذه المهرجانات، والتي نحن بصدد إطلاقها، في كفّة، ومسيرة الإنماء اللايتوقّف في منطقة الأرز في الكفّة الأخرى، بل لأنّها جمعت هذه السنة الى الأرزة رمز خلود هذا الوطن، جبران خليل جبران الرمز الإنساني الخالد ورسولنا الى العالم أجمع، تماماً كما فعلت في السنة المنصرمة عندما طمأنت أرز الربّ بتكريمها للجيش اللبناني. إنّي، والحال، أشكر ثقتها بتكليفي إطلاق مهراجاناتنا لهذه السنة علّني أفي وعدي لها ولجبران وللبنان بتحمّل مسؤوليّاتي كاملةً في لجنة جبران الوطنيّة.
هذه السنة إذاً، تقبض مهرجانات الأرز الدوليّة على بعدين لبنانيّين عالميّين: الأرز الفريد بنوعه في العالم بشهادة الخبراء والمختصّين، وجبران الذي ما زال الى اليوم يملأ الدنيا ويشغل الناس. فقدر مهرجاناتنا هو هو قدر مدينة بشرّي وجبران، الفاتحة ذراعيها لتمسك بواحدة أرز الربّ وبأخرى الوادي المقدّس.
ومعلومٌ أنّ علاقة جبران بأرز الربّ هي علاقة روحيّة أصيلة، إذ كان يتقن منذ نعومة أظفاره لغة الجمال، وبالتحديد لغة جمال الأرز، التي هي لغة سماويّة تترفّع عن الأصوات والمقاطيع وتضمّ جميع أنغام البشر. كان يصفها بإنّها لغة الروح المنبعثة من قدس أقداس النفس لتنير خارج الجسد، مثلما تنبثق الحياة من أعماق النواة وتكسب الزهرة لونًا وعطرًا. لغة الروح هذه هي شعار مهرجانات الأرز الدوليّة لهذه السنة
ستكون مفاجآت المهرجانات عديدة بدءاً من انطلاقتها، حيث، وعند الإفتتاح، سيكون للإبداع والمهارة والخلق وتقنيات العصر مكانة تفرح القلب وتثير الدهشة، عنيت بها مفاجأة الليلة الأولى الخاصّة بجبران. وهي مفاجأة سنتركها لوقتها 
تنطلق المهرجانات لعام 2016 كالتالي:
الليلة الأولى ليلة الافتتاحية 5 اب
السيدة ماجدة الرومي
الليلة الثانية 6 اب
الفنانة نانسي عجرم و فارس الغناء العربي عاصي الحلاني
الليلة الثالثة و الرابعة 12 و 13 اب
فرقة كركلا بالعمل المسرحي الضخم "كان يا مكان"


أخيراً لكلّ الناس نقول، أن أرز الربّ يحمل كلّ تقاليد بلداتنا الجبليّة الحميدة، كذلك يفعل جبران. ومن تقاليدنا أن نلبّي دعوة من يحبّنا. فكونوا كثراً ولا تجعلوهما يعتبان كثيراً. ولكم الشكر.

السبت، 11 يونيو 2016

تهجّمات أسعد أبو خليل وردّي عليه.


جبران خليل جبران: أساطير التفوّق اللبناني
مقالة أسعد أبو خليل في جريدة الأخبار


ماذا يبقى من «النبي» بعد قراءة نيتشه؟ماذا يبقى من «النبي» بعد قراءة نيتشه؟زار معرض لجبران بيروت أخيراً، وعُقدت حلقة تلفزيونيّة خاصّة عنه. لماذا هذا الهوس اللبناني بقصّة جبران؟ ولماذا تحوّلت حياته المتواضعة دليلاً آخر على التفوّق اللبناني المزعوم؟ من هو جبران وما حقيقة عالميّته؟ يصرّون في لبنان على أنّ كتابه «النبي» يبيع أكثر من الكتاب المُقدّس. مَن قام بهذا الإحصاء ومن قارن ودرس الأرقام؟ خزعبلات في بلد بلغت التفاهة فيه أنّ ممثّل لجنة «غينيس» للأرقام القياسيّة بات شبه مقيم في لبنان
من حسن حظّ لبنان أن لا أحد من أبنائه قد حاز جائزة «نوبل». العالم المصري أحمد زويل اعترف بجرأة ما بعدها جرأة في خطابه أمام حشد الجامعة الأميركيّة في بيروت أنه قدّم أوّل طلب للوظيفة في الجامعة الأميركيّة نفسها، لكنها رفضته. حسناً فعلت. فهي لا تستحقّ أمثاله من العلماء، وخصوصاً أنها كانت آنذاك لا تزال راضخة لمراسيم ومعايير التفوّق الطائفي والديني المُعبّر عن الصيغة اللبنانيّة. يكتفي لبنان في سعيه نحو المجد بإدراج اسمه مقروناً بأضخم صحن حمّص عملاق وأضخم علم لبناني (احتفال تدشين «أكبر علم» حضره رئيس أركان الجيش اللبناني نفسه الذي مدح ألوان العلم: «كانت للعلم اللبناني الحظوة الكبرى بين أعلام الدنيا، فهو زاه بألوان جميلة تجاورت في انسجام وتآلف أوحت بهما الطبيعة الجميلة لهذا الوطن»). إسرائيل تكدّس الترسانات الفتّاكة وتهدّد لبنان يوميّاً، فيما يُشغل لبنان بمطالبة البعض بنزع سلاح المقاومة وبتأييد نشر أكبر علم حماية للحدود المُستباحة من قبل إسرائيل. والمُبالغة في حجم لبنان والإكثار من التقريظ الذاتي تطلّبا اختراع أمجاد وبطولات، وإن كانت من نسج خيال بليد. جبران كان ضروريّاً، إذاً. وجب اختلاقه. لكن عليّ بداية أن أعترف بهوى جبراني مُبكّر.
اكتشفتُ جبران في سن الثامنة أو التاسعة. وقعت على كتاب «الأرواح المتمرّدة» قبل أن ألتهم مرّات ومرّات المجموعة الكاملة لمؤلّفات جبران بالعربيّة. قصّة خليل الكافر وخطبه القويّة سحرتني في ذلك السنّ. وجدت فيه جرأة لم أجدها في النصوص المُدرجة في الكتاب المدرسي الذي كان يضجّ ويعجّ بالفكرة اللبنانيّة (كان علينا أن نستظهر مثلاً تلك القصيدة «يا ثلج قد هيّجت أشجاني/ ذكّرتني أهلي بلبنانِ»). وكان أسلوب جبران بعيداً كلّ البعد عن التكلّف الذي طبع النصوص الإنشائيّة التي فرضها انعزاليّو لبنان الأوائل، من أمثال فؤاد أفرام البستاني وغيره ـــــ حرص حزب الكتائب اللبنانية في حقبة ما قبل الحرب على الاحتفاظ بوزارة التربية من أجل غسل عقول الطلبة وقلوبهم ـــــ. جبران تكلّم عن الحب وعن التمرّد وعن الحريّة، وإن كانت كتاباته عن الحريّة خالية من أي مضمون سياسي.
من خلال جبران، تعرّفت إلى ميخائيل نعيمة، لمعرفة جبران أكثر. قرأت سيرة نعيمة عن جبران قبل أن أقرأ باقي مؤلّفات نعيمة. كتبت رسالة إعجاب بنعيمة في سنّ العاشرة وقابلته مرّتيْن في سن الثانية عشرة. كان ودوداً لكن جافّاً ولاهوتيّاً. أذكر أنني فشلت في معرفة جبران من خلاله. كان إذا سألته عن كتاب «النبي» يحدّثني عن «كتاب مرداد». وإذا حدّثته عن كتاب «رمل وزبد»، يحدّثني عن «كرم على درب». لا يمكن التقليل من قيمة نعيمة الأدبيّة: في بازار نوبل الشخصانيّة والسياسيّة، كتاب «سبعون» قد يكون من أفضل ما كُتب بالعربيّة في القرن العشرين، ومن أكمل السيَر على الإطلاق. فكريّاً، كان نعيمة زاهداً يدخل في فكره الكثير من الترداد المزعج عن «الدنس» وعن «الأغراض» وعن الطهارة. كان راهباً، أعلن ذلك أم لم يعلن. لكنّ سيرته عن جبران أثارت لغطاً كبيراً. تعرّضت لانتقادات لا تنتهي. وقد أزعجتني في حينها، لكنّني اليوم أفهم مرامي نعيمة من خلالها.
هال نعيمة الهالة القدسيّة والتعظيميّة التي أحاطت بجبران بعد عودة جثمانه. لم يُرد أن تكون صورة جبران الخياليّة غير خاضعة للنقد والتدقيق. أعطى صورة عن جبران أقرب إلى حقيقته من الكثير من الكتب الأخرى التي ما حادت عن مسلك التعظيم. عاصر نعيمة جبران وأدرك أن قيمة جبران في أميركا تعرّضت لمبالغة شديدة. هل كانت الغيرة تعتمر في صدره إزاء ذلك؟ هذا مُرجّح، وخصوصاً أنّ نعيمة دأب على تقليد النمط الجبراني في إصدار المؤلّفات. حتى إن ديوانه «همس الجفون» تضمّن رسوماً لا تخفي تقليد نعيمة لجبران فيها. وضع كتاب مرداد فلم يقع على أثر، ناسياً أن «النبي» هو أسلوب، قبل كل شيء، أو أسلوب فقط، لا غير. وفي محاولة لقطف العالميّة المنشودة، ترجم نعيمة إلى الإنكليزيّة بعضاً من كتبه، لكن أسلوبه في الإنكليزيّة يشبه أسلوب ترجمة العقود القانونيّة. إلا أنّ نعيمة لم يحلّ لغز جبران، لأن في الشعب من لا يريد الحقيقة.
ظلّ جبران هو اللغز بالنسبة إلي. زار معرض لجبران بيروت أخيراً، وعقد وليد عبّود حلقة خاصّة عن جبران في محطّة «إم تي في» ـــــ ماذا كان سيقول جبران في تلك المحطّة الطائفيّة التي لا تتورّع عن نشر تقرير «خاص» عن خطر شراء شيعي لأراضٍ في منطقة الجديدة؟ ـــــ لم يفدنا في تلك الحلقة إلّا حسين صفي الدين الذي يبدو أنه متبحّرٌ في أدب جبران أكثر من غيره. كان مُنصفاً ولم ينسَق إلى الهمروجة الإعلاميّة البعيدة عن الواقع، التي أرادت إقناع الجمهور بأن جبران هو شاغل العالم. هنري زغيب، تلميذ سعيد عقل المُتيّم، أصرّ على أن جبران يجب ألا يُعلّب (وهو في ذلك يردّ على الدراسات الرصينة عن جبران للباحث المُتمعّن، جان داية). لكن زغيب يعود ويعلّب جبران في إطار القوميّة اللبنانيّة الشوفينيّة. هل كان جبران خليل جبران مُؤسِّساً لتنظيم «حرّاس الأرز» الفاشي يا هنري زغيب؟ هل اعترف بذلك في رسالة إلى ماري هسكل؟ أما رئيس لجنة جبران الوطنيّة، طارق الشدياق، فكان أقرب إلى مبعوث «القوّات اللبنانيّة»، ومعرفته بجبران بدت ضحلة، إلى درجة أنه بقي صامتاً باستثناء تدخّلات سياسيّة أقرب إلى الترّهات. فقد أصرّ على أن جبران كان مسيحيّاً مؤمناً، مع أن نعيمة في سيرته كان واضحاً أن جبران رفض تدخّل الكاهن لحثّه على الاعتراف وهو على فراش الموت. الشدياق، من دون دليل أو دراسة أو مرجع، شكّك في الرواية، مع أن راويها كان شاهد عيان. هذا هو الاختراع الجديد لجبران: عليه أن يكون قوميّاً لبنانيّاً ومسيحيّاً متزمّتاً، وهو لم يكن هذا أو ذاك. إنها ضرورات الأساطير المتداولة للوطنيّة اللبنانيّة العرجاء. نبذوا جبران في حياته واستولوا عليه في مماته. هؤلاء لو أعادوا قراءة كتابات جبران الإنكليزيّة عن المسيح، لوجد فيها المطران بشارة الراعي سبباً لإنزال «الحرم الكبير».
ينسى البعض أن المؤسّسة الرجعيّة اللبنانيّة (الكنسيّة والحكوميّة) غيّرت رأيها في جبران من أيام حياته إلى وفاته. إن نقد «الآراء الكُفريِّة والأقوال الخلاعيّة» لجبران وتهشيمها (أنظر مجلّة «المشرق»، السنة 21، عدد 29 أيلول 1923، ص 866) وردا في أعداد مختلفة من «المشرق» ـــــ مجلّة الاستشراق اليسوعية ـــــ. ونشر أمين خالد في ثلاث حلقات نقداً عنيفاً لأدب جبران (أنظر السنة 30، أعداد تموز وآب وأيلول عام 1932). ولم يتورّع لويس شيخو نفسه (عميد الاستشراق اليسوعي ذو التأثير الهائل على جيل أو أكثر من الدارسين اللبنانيّين) عن اتهام جبران بالجنون (مثل اتهام مي زيادة الباطل بالجنون) (أنظر سنة 1924، المجلّد 22، ص. 555، والمجلّد 24، عدد 6، حزيران 1926، ص 633). ونجد أن المؤسّسة اليسوعيّة (بالمعنى السياسي)، وبسحر ساحرٍ، حوّلت جبران من كاتب كافر ومنبوذ إلى بطل مسيحيّ لبنانيّ (ولا شكّ في أن لذلك علاقة بمحاولة الاستفادة السياسيّة ـــــ الدينيّة من دلائل «عالميّة» جبران الحقيقيّة أو المزعومة).
ففؤاد أفرام البستاني ـــــ الذي بثّ من سمومه في مختلف المناهج الدراسيّة اللبنانيّة بعد استقلال لبنان المزعوم ـــــ يتهم هو أيضاً جبران بالجنون وبحمل «الأفكار الفاسدة»، ويشبّهه بـ«بولشفيك روسيا التاعسة»، ويحذِّر «العقلاء» مِن شُرب سُمِّه (أنظر «المشرق» عدد 10، السنة 21، تشرين الأوّل، 1923). ولكن موقفه من جبران يتغيّر فجأةً في سنة 1939 في مقاله «على ذِكر جبران» (السنة السابعة والثلاثون، نيسان ـــــ حزيران 1939). ففي هذه المقالة يقف البستاني موقف المُحايد والمُعجب بأدب جبران، ويلمّح (ص. 265) إلى احتمال وفاته كاثوليكيّاً، ويتحدّث عن صداقته ببعض رجال الإكليروس (ص. 263) (من دون دليل، على طريقة طارق الشدياق الذي أشاد بنوّاب بشرّي في حلقة البحث عن جبران. ولمّا سُئل عن سبب الإشادة، قال إن نوّاب بشرّي هم الذين دعوا كارلوس سليم إلى لبنان. ونِعمَ الإنجاز)
لقد كان نعيمة في سيرته، وجبران نفسه في كتاباته، واضحين جداً من حيث علاقة الأخير بالإكليروس. كذلك فإن الإكليروس كان واضحاً في علاقته بجبران أثناء حياته (يُذكر أن موقف شيخو من جبران والريحاني وفرح أنطون كان موقفاً طائفيّاً صارخاً، إذ رأى فيهم أناساً باعوا دينهم. وقد أطلق شيخو على الريحاني لقب «محمّد الريحاني» («المشرق» السنة الحادية والعشرون، العدد 6، حزيران 1923، ص. 488،)، وزاد أنه ذو «رائحة منتنة» (ص. 491)
لكن جبران يصبح شخصاً آخر بعد أن ينضج المرء وتنضج قراءاته. أين يصبح كتاب «النبي» بعد أن يقرأ المرء كتاب نيتشه «هكذا تكلّم زرادشت»؟ حسناً فعل حسين صفي الدين في الحلقة المذكورة عندما اعترف بأنه ليس لجبران فلسفة خاصّة به، وإن أضاف أن له رؤية فلسفيّة. الواقع أن جبران كان يفتقر إلى الفلسفة والرؤية الفلسفيّة معاً. تستطيع أن تتبيّن مقاس جبران وحجمه بعد أن تأتي إلى الولايات المتحدة. ماذا تكتشف؟ خلافاً لأباطيل سمير عطا الله الذي يؤكّد أن الكلّ يعرف جبران خليل جبران في أميركا، وأنه مُقدّر هنا أكثر ممّا هو في بلاده، الرجل غير معروف إلا من القلّة التي تحب الشعر المنثور والكلام المُنمّق (ألم يصفه الريحاني في حديث نقله نعيمة بـ«العواطفيّة غير المُستساغة» (التعبير بالإنكليزيّة وليس من السهل ترجمته). جبران كان غير معروف، إلا أنّ مجتمع الهيبيين في الستينيات، على أنغام موسيقى الروك وتحت تأثير ما تيسّر من المخدّرات، أعاد اكتشافه ووجد في كتاب «النبي» ضالته. وقع تحت تأثير عبارة «أولادكم ليسوا لكم». الإنشاء الجبراني المُتكلّف بالإنكليزيّة كان خفيف الوقع على متمرّدي الماريجوانا آنذاك. روّجوا لكتاب «النبي» وكانت بعض عباراته تُردّد.
لكنّ جبران يا ناس لا يُدرّس في أي جامعة غربيّة في باب الأدب الإنكليزي. لا ترتقي كتابات جبران إلى مصاف الأدب، بالمعيار الأكاديمي. كتابات جبران الإنكليزيّة تُعدّ كثيرة الجديّة والتكلّف والصرامة في التعبير (على عكس كتاباته العربيّة، للمناسبة، هل لأنه أجادها أكثر؟). كتابات جبران لا تُستعمل حتى في صفوف التعليم الثانوي، بل في بطاقات «هولمرك» للمعايدة. أي لديها مذاق شعبي عام وغير مُمَيِّز. لكنني أردت أن اختبر نظريّة سمير عطا الله بشأن شيوع اسم جبران في أميركا، فسألتُ في يوم واحد ما يقارب مئة من تلاميذي إذا كان أحدٌ منهم (ومنهنّ) قد سمع بجبران أو بـ«النبي». لم يسمع واحد منهم ومنهن بجبران أو بكتاب «النبي». استيقظوا يا قوم.
لا تحاولوا البحث عن الفكر في كتاب «النبي». إنه كلام مرصوف (وجميل أحياناً) وليس أكثر. من يقرأ «هكذا تكلّم زرادشت» ويعود ويقرأ «النبي» يجد أن الفرق بين الكتابيْن هو مثل الفرق بين مجلّة «الشراع» ومجلّة «الإيكونومست». هناك أفكار إصلاحيّة لجبران وبعضها مفيد وجريء للغاية، وخصوصاً في التعرّض للإكليروس في «خليل الكافر» أو الملامح الاشتراكيّة التي درسها فواز طوقان في «أسرار تأسيس الرابطة القلميّة وعلاقة أعضائها بالفكر الاشتراكي». وكتابات جبران كانت جاذبة لأنها خرقت جدار الإنشائيّة التقليديّة التي نفّرت الناشئة من الأدب العربي. لكنّ فكر جبران السياسي والاجتماعي اعتراه تناقض ما (علاقاته بالطائفي والاستعماري، أيّوب ثاتب، لم تتوضّح بعد). كان جبران يستطيع أن يتعاطف مع المرأة المظلومة في «أجنحة متكسّرة»، لكنه لم ينتفض على المعايير والمقاييس والقيم التي ترسّخ قمع المرأة في مجتمعاتنا. في أسئلة منشورة لنسيب عريضة (لماذا يُهمل هذا الشاعر الموهوب؟)، رأى جبران أن أهم فضيلة للمرأة هي «العفّة»، وهل ألحق بالمرأة المتوسطيّة من ضرر أكثر مما لحقها من خلال تقديس العفّة؟ وكتابات جبران تتعامل مع الحب من خلال النظرة الرجعيّة التقليديّة، وهو مثل زهد نعيمة يحذّر من «الأغراض» في قصيدة «المواكب» (غير المُترابطة).
لكن إرث جبران تعرّض لتشويه فظيع. فالقوى نفسها التي نبذته وكفّرته في حياته، عادت وقرّرت أن تُلبننَه وتنصّرَه بعد وفاته. كاد رئيس لجنة جبران الوطنيّة يجعل من جبران قياديّاً في «القوّات اللبنانيّة». لكنّ أكاذيب القوى الوطنيّة اللبنانيّة ظهرت بوضوح في البحوث الاستقصائيّة التي أجراها جان داية ـــــ الذي لا يكلّ ـــــ في كتابه «لكم جبرانكم ولي جبراني». جميل جبر وأمين الغريّب وهنري ملكي، كما بيّن بالتدقيق داية في كتابه، حوّروا وغيّروا من كلمات جبران من أجل جعل الإشارات إلى سوريا إشارات إلى لبنان ـــــ مسخ وطنهم الحبيب ـــــ. بالتزييف والكذب جعلوا جبران لبنانيّاً. والطريف أن جريدة «نيويورك تايمز» جعلت من مسقط رأس جبران (التي كانت تشير إليه بـ«الشاعر السوري») في خبر وفاته الصغير «جبل لبنان، فلسطين» (راجع عدد 11 نيسان، 1931). جان داية حرّر جبران من الأكاذيب الوطنيّة اللبنانيّة وأبرز الجانب السوروي في كتاباته. وداية، خلافاً للقوميّين اللبنانيّين، لا يتلاعب بالأدلّة.
لم يترك جبران فكراً سياسيّاً واضحاً، لكنه بالتأكيد لم يكن من أنصار الإكليروس الذين اعتنقوه بعد وفاته، ولا من أنصار الوطنيّة اللبنانيّة. لقد تحدّث في نقده عن «الأضراس المسوّسة» في فم الأمة السوريّة. كان يشكو من وطأة الرجعيّة والتخلّف من دون أن يغوص في الفكر السياسي في أي من جوانبه. وكتابات جبران عن الحريّة لا معنى لها، لأنه لا تعريف للحريّة فيها. هي شيء جميل، فقط. لا تسألوا (وتسألن) أكثر. ومن اللافت أن الكتّاب العرب في مصر أخذوا جبران على محمل الجدّ قبل أن يفعل ذلك كتّاب لبنان. جبران خليل جبران كان مُجدِّداً وكان مُبتكراً وكان إصلاحيّاً وكان شاعراً بارعاً ويجب أن يُقرأ نثره كشعر، لا أن يُقرأ كفكر سياسي مُبكّل. لم يعنَ جبران بوضع برنامج إصلاحي أو فكر مُحدّد. الشدياق كان أكثر إقداماً من جبران، حتى لو عاش قبله، وكان مشروعه في اللغة أكثر عُمقاً من جبران، وكان مقذعاً مثل جبران وأكثر في نقده للإكليروس. وكان الشدياق طريفاً في سخريته، فيما كانت كتابات جبران تشكو من جديّة قاتمة، مع أن شخصيّته في الحياة كانت ساخرة. لا يجب الاستهانة بجبران أو إهماله في المناهج الدراسيّة، لكن مثل كل عناصر نظريّات التفوّق اللبناني، يحتاج الأمر إلى إعادة نظر لتنقيته من الخزعبلات (يقول سمير عطا الله الذي كتب مرّة مديحة في حق الأمير مُقرن بن عبد العزيز، إن الشعب اللبناني هو «أحد أكثر الشعوب ذكاءً» (سمير عطا الله، «مقال الأربعاء»، ص. 434).) قد يكون الاهتمام اللبناني بجبران منبعه الظن أنه شاغل الرجل الأبيض في الغرب، وأن على الشعب اللبناني، كعادته، اقتفاء آثار الرجل الأبيض في هذا الموضوع مثل غيره. لكن جبران كان أكثر تنبّهاً. تذمّر من نظر ذلك الفريق من النخبة الفنيّة النيويوركيّة الذي واكب صعوده، وقال في رسالة أوردها قريبه (خليل جبران) الذي كتب أوفى سيرة له، إنه لا يريد أن يمثّل دور القرد المَربوط بحبل من أجل الترفيه عن الغربي. لكنّ الوطنيّة اللبنانيّة أصرّت عند إعداد عناصر نظريّة التفوّق اللبناني على إعلاء شأن كل مهاجري لبنان ووسمهم بالعبقريّة التي يبدو أنها تصيب اللبناني (يبدو أن اللبنانيّة بعيدة عنها في نظر ذكوريّة الوطنيّين اللبنانيّين) بمجرّد أن يغادر وطنه. يعني لو أن فريد حبيب أو خالد زهرمان غادرا لبنان لأصابهما شيء من الذكاء. الوطنيّة اللبنانية أرادت أن تثبت بالملموس أن لبنان عظيم وأن أهله عظام. وبسرعة البرق، تحوّل جبران إلى واحد من أهم عظماء التاريخ، ويدرجه المنهج الدراسي اللبناني على أنه «فيلسوف». لكنّ الثقافة في لبنان تستسهل دوماً إسباغ صفة الفلاسفة على أمثال صحافيّين وكتّاب، مثل سعيد عقل والريحاني وكمال الحاج وربّما نقولا فتّوش في ما بعد ـــــ قد يطلع الأخير بنظريّة فلسفيّة في أثر الكسّارات على الوجوديّة. من يدري؟
ليست هذه دعوة إلى نفي جبران من المنهج الدراسي. على العكس، هذه دعوة إلى دراسته بجديّة، لكن بعد أن يوضع في موقعه الحقيقي والطبيعي. لا نريد من المهاجرين من لبنان أن يُصابوا بالإحباط مثلي: تربّيت على فكرة أن جبران شأن أميركي وعالمي، لأجد أنه لا أحد يسمع به، وإن سمعوا فكونه شاعراً غير معروف. أما مسألة المبيع، فهي ليست بذي بال. كانت كتب إحسان عبد القدّوس تبيع أكثر بكثير من كتب طه حسين وتوفيق الحكيم. جبران يجب أن يبقى في الثقافة العربيّة على أن يُنزع منه ما علّق عليه مريدو الفينيقيّة اللبنانيّة من أوساخ وأكاذيب. يحقّ لنا أن نطالب بعودة جبران الحقيقي، لا جبران المُتخيّل. ويجب أن نستطيع تقدير كتّابنا وفنّانينا (ذكوراً وإناثاً)، حتى لو لم يُعجب بهم الرجل الأبيض. هذه العقدة تشوب الثقافة السياسيّة والشعبيّة، وتؤثّر على مسار السياسة الخارجيّة لمسخ الوطن. ثم ماذا لو عارضنا مقاييس الرجل الأبيض ومعاييره؟ من تورّع عن تنقية جبران (أو «خليل الكافر») من كفره؟



ردّاً على أسعد أبو خليل: الشوفينيّة المضادّة
طارق الشدياق رئيس لجنة جبران الوطنيّة، في جريدة الأخبار

أسعد أبو خليل، يا أيّها الأستاذ اللبناني ـــــ الأميركي في جامعات بلاد العمّ سام، حيث تلتقي يوميّاً بالرجل الأبيض، وتعيش معه منذ سنوات هانئاً مطمئنّاً بدليل رشقك إيّانا هنا في هذا الوطن، بكلمات أقلّ ما يقال فيها إنّها تحمل من قرف العالم الأوّل للعالم الثالث الشيء الكثير. بل بدليل أنّ الرجل الأبيض هناك أنساك أنّك شيوعيّ قديم، وإن كنت اليوم تهرب من هذا الواقع لتدخل في رحاب العبثيّة التي لا هدف لها سوى العبثيّة نفسها.
ولكنّ أمثالك ما استساغوا بعد أنّ لبنان هو وطن قائم بحدّ ذاته، ولا آمنوا بأنّه يجهد ليكون وطن الرسالة كما يريده أهله والعالم، فكيف لهم أن يستسيغوا أن من ناسه من تفوّق فارتقى بنفسه وبلبنان الى مراتب مشرّفة. أمثالك لا هدف لهم سوى تدمير هذا التفوّق ـــــ في ما أسمّيه الشوفينيّة المضادّة ـــــ ليثبتوا أنّهم على حقّ في عدم الإيمان بهذا الوطن، تماماً كما يفجّر الحاسد سيّارة جاره الحديثة لأنّه لا يستطيع أن يأتي بمثلها
اعترفت في مقالك بهوى جبراني مبكّر. ويبدو أن كتابه «الأرواح المتمرّدة» حاز إعجابك، ففعل في نفسك كما يفعل السحر، وخاصّة قصّة خليل الكافر وخطبه القويّة التي سحرتك في سنّ مبكّرة، وحيث «وجدت فيه جرأة لم تجدها في النصوص المُدرجة في الكتاب المدرسي الذي كان يضجّ ويعجّ بالفكرة اللبنانيّة». كلّ ذلك في سنّ الثامنة أو التاسعة يا رجل! الطفل الذي كنته أدرك جرأة جبران غير الموجودة في نصوص الكتاب المدرسي، وأدرك أنّ أسلوبه «بعيد كلّ البعد عن التكلّف الذي طبع النصوص الإنشائيّة التي فرضها انعزاليّو لبنان الأوائل، من أمثال فؤاد أفرام البستاني وغيره»، كما تقول. يا لعبقريّة الطفل الذي كنته يا أسعد … وتتحدّث عن أساطير التفوّق اللبناني؟…
ثمّ رحت تلتهم مرّات ومرّات المجموعة الكاملة لمؤلّفات جبران بالعربيّة. لكنّك عندما تخطّيت المؤلّفات العربيّة ووصلت الى كتاب النبي، وجدت «أن «النبي» هو أسلوب، قبل كل شيء، أو أسلوب فقط، لا غير». لماذا وصلت الى هذه النتيجة؟ قد لا تجرؤ وتجيب عن هذا السؤال. سأفعل أنا كي أقول لك إنّ أمثالك مكشوفون عندي. اسمع
في مؤلّفات جبران العربيّة ثورة على السلطة آنذاك، كلّ سلطة. فهو ثار على السلطة السياسيّة المستبدّة، وعلى السلطة الكنسيّة المستبدّة هي الأخرى، وحتى على السلطة الأبويّة عموماً. هذه الثورة يستسيغها عقلك ويحبّها. كيف لا وهي تطال ما يستلذّه عقلك وقلبك وجوارحك كلّها! ولكن… عندما يرتقي جبران في كتابه «النبي» الى السلام والمحبّة والصداقة والعطاء والحرّية والهدوء الفكري، وعندما يرسم آراءه واضحة في الطريقة المثلى لعلاقة الإنسان بالإنسان، فيحدّثنا عن الزواج والأولاد والشرائع والفرح والترح والألم والصداقة والعمل والتعليم، وعندما يغوص مبدعاً في معرفة النفس والخير والشرّ والصلاة واللذة والجمال والدين والموت، فهذه أمور لا تعني لك شيئاً ليصبح النبي عندك مجرّد أسلوب. خليل الكافر عندك بطل، أمّا «النبي» فمجرّد أسلوب. كلّ ما يدمِّر أنت معه، أما البناء بعد الدمار فلا يعنيك… مجرّد أسلوب. جبران عندك مبدع في كتبه الأولى حيث الثورة، أمّا في كتبه اللاحقة، كتب ما بعد الثورة، فلا يعنيك. هل أدركت الآن ماذا أقصد بالشوفينيّة المضادّة؟
صحيح أنه لا فكرَ سياسياً محدّداً عند جبران، وصحيح أن كتاباته عن الحريّة كانت خالية من أي مضمون سياسي. ولكن لا أحد يمكن أن ينزع عنه انتماءه اللبناني، لسبب واحد على الأقلّ أنّه ولد في لبنان. شأنه في ذلك شأن الزعيم أنطون سعادة الذي تعرفه وإن كنت لا تحبّه (كونك شيوعياً قديماً)، كما يعرفه صديقك جان الداية مع فارق بسيط أنّه يحبّه، فكلاهما، سعادة وجبران، لبنانيّ، وولد في لبنان. فلا سعادة فلسطيني أو سوري أو كويتي أو عراقي، ولا جبران أيضاً. هذه حقيقة وإن أماتتك في غيظِك. لنكتفِ بهذا السبب، إذ لا داعي لكي أذكّرك بقول جبران: «لو لم يكن لبنان وطني لاتخذت لبنان وطني». وما لا تعرفه أن جبران قال ذات مرّة: «بشرّي موطن قلبي». لقد عبّر جبران جيّداً عن لبنانه في مقالته الشهيرة «لكم لبنانكم ولي لبناني»، فلبنانه ليس عقدة سياسيّة ولا حكومة ذات عدّة رؤوس، وهو ليس ذاك المتّصل بسوريا يوماً والمنفصل عنها يوماً آخر… هو مساحة سلام وحبّ وحرّية، مساحة ناس ذوي قلوب طيّبة، هو مساحة فرح من يعمل بجدّ وينتج بحبّ. هو من حلم به أكثر الذين تناولتهم بسخرية بمقالتك.
أمّا أن أكون، أنا بالذات، مبعوث القوّات اللبنانيّة، كما تقول، بسبب أنّي شكرت نائبَي المنطقة التي أنتمي إليها ـــــ بشرّي ـــــ على دعمهما لي في القيام بمهماتي رئيساً للجنة جبران الوطنيّة، فهذا موضوع يتعلّق بالتربية التي نشأت عليها. فأنا تربّيت على واجب شكر من يقدّم المساعدة والدعم، وأنّ هذا من الأخلاق جوهرها. وما لا تعرفه أنّ نائبي بشرّي تبنّيا مشروعنا المتعلّق بتوسيع متحف جبران وتوأمته مع متاحف عالميّة (منها متحف سميّا (ابنة كارلوس سليم) في المكسيك)، وإيجاد مجلس أمناء مختصّ لإدارته مؤلّف من مثقّفين وجامعيّين من لبنان والعالم. وبات هذا المشروع شغلهم الشاغل. فإذا لم تكن كلمة شكر موجودة في قاموسك فهي في المكان الأوّل في قاموسنا. من ناحية أخرى، فأنا ما دعيت لأشارك في حلقة الأستاذ عبّود المخصّصة عن جبران إلا بصفتي رئيساً للجنة جبران الوطنيّة. ولو تابعتها جيّداً، لأدركت أنّي لم أشكر نائبي بشرّي لأنّهما أتيا بكارلوس سليم، بل لأنّهما أتاحا لي وللّجنة الفرصة للتواصل معه بما يخدم أهداف اللجنة التي أنا مؤتمنٌ على تحقيقها، في وقت كان يمكن فيه أن لا يفعلا ذلك. غريب كيف أنّك لم تسمع ما قلته.
من جانب آخر، تقول إنّي كدت أن أجعل من جبران قوّاتيّاً، لأنّني قلت إنّ جبران كان مسيحيّاً مؤمناً. فهل تريد أن تقول إنّ المسيحي المؤمن هو حتماً قوّاتي؟ وهل كان عليّ أن أقول إنّ جبران كان كافراً كما خليله حتى لا أجعل منه قوّاتيّاً؟ (أعتقد أنّ القوّاتيّين سيفرحون لكلامك هذا). لكن اسمع… هل تريدني أن أقول إنّه كان ملحداً غير مؤمن لأجعل منه شيوعيّاً، ماركسيّاً لينينيّاً كما تشتهي؟ كن صريحاً… هل تريدني أن ألحقه بحزب آخر أو بالعبثيّة فترتاح أنت ويبتسم لي الهيبّيون الذين ذكرتهم؟ لا، يا آدميّ… لن أفعل… لأنّني أعرف البيئة التي عاش فيها جبران وأعرف أمّه كاملة رحمة، ابنة كاهن الرعيّة، وأعرف مسبحة الصلاة التي كانت بيدها تصلّي بها لأجل أولادها… وأعرف أنّ جبران كان محبّاً كثيراً لأمّه ومعجباً بها. ولو تابعت الحلقة لأدركت أنّي أعمل لأجعل الكلّ جبرانيّاً. فمن أهداف لجنتنا نشر الفكر الجبراني أينما كان في العالم.
وقلت إنّ معرفتي بجبران ضحلة… وهي قد تكون كذلك. فأنا ما ادّعيت يوماً أنّي من دارسي وباحثي الفكر الجبراني. لكنّي أعرف سيرة حياته، وأعرف بيئته التي تربّى فيها، وأنا، وإن بتواضع، مطّلع على أفكاره وثورته وقيمه التي تحدّث عنها، وخاصّة في كتاب النبي الذي هو، ليس فقط أسلوباً.
في الحلقة، تحدّثت عن علاقة جبران بالمرأة، وبوطنه، وعن إسهامه النهضويّ في تحديث اللغة. لكنّك لم تسمع… وتحدّثت عن علاقته بالدين وبالمسيحيّة وبالأسلوب الكتابي (الكتاب المقدّس)، الذي كان يعتمده. لكنّك… لم تسمع. لقد أعمتك الشوفينيّة المضادّة عن السمع وعن النظر وعن التفكّر.
وأخيراً، اعلم يا أستاذ… أنّ للجنة جبران حقوقاً تأتيها من بيع كتبه في الولايات المتّحدة. لها نسبة من ريع هذه الكتب تأتيها من دار النشر الوحيدة لكتب جبران هناك ـــــ راندوم هاوس لصاحبها ألفرد كنوف ـــــ وإنّ هذه الدار ترسل سنويّاً ثبتاً بمبيعاتها لنا لكي نحسب معها حصّتنا، ولمصلحة الضرائب الأميركيّة. تماماً كما تفعل كلّ دار نشر هناك. وهكذا يمكن أن يعرف الكلّ نسبة مبيع كتب جبران في أميركا. وستعرف، لو تابعت، أنّ كتاب النبي (الأسلوب كما تقول) هو الكتاب الثاني بعد الكتاب المقدّس الأكثر مبيعاً في الولايات المتّحدة.
شيء آخر لا تعرفه… نحن نتلقّى من مختلف دول العالم طلبات لإقامة معرض لرسوم جبران في متاحفها. وأن برنامجنا للأعوام الثلاثة المقبلة يتضمّن معارض في: أوستراليا، ألمانيا، قطر، سويسرا، فرنسا، لندن والولايات المتّحدة. بالإضافة الى طرابلس في لبنان بعد بيروت، وبعدها في بكفيّا. لا يا أستاذ… جبران معروف في كلّ العالم، أمّا لماذا لا يعرفه تلاميذك، فأمر لا يدهشنا إذا ما كنت أنت أستاذهم.

أخيراً… يا ليتك بقيت ذلك الطفل العبقري. ولكن كن ما شئت، شوفينيّاً مضادّاً، أستاذ علوم سياسيّة، شيوعياً، عبثيّاً… ما لي ولك؟

الأربعاء، 18 مايو 2016

في حفل إطلاق مجموعة موسيقيّة للفنان "جمال أبو الحسن".

حفل إطلاق مجموعة موسيقيّة للفنّان جمال أبو الحسن.
13 أيّار 2016
د. طارق الشدياق، رئيس لجنة جبران الوطنيّة



أيّها الحضور ...
ونتّفق مع جبران، أنّ الموسيقى هي لغة النفوس، وأنّ الألحان هي نسيمات لطيفة تهزّ أوتار العواطف. هي حديث القلب للقلب، تستحضر ذكريات الحزن والفرح. وهي كالمصباح تطرد ظلمة النفس وتنير القلب فتظهر أعماقه. عن تلك الأعماق تسبرها موسيقى الصديق جمال أبو الحسن، جئتكم أتكلّم.
عندما تقف صباحاً أمام ورقة نديّة لنبتة خضراء، وتمسح من عليها، بأصبعك، قطرة ندى تلمع، وتشعر ببرودتها تجري في ثنايا أعماقك، ثمّ تقف لا تفكّر إلاّ بجمال الطبيعة الأخّآذ، تكون قد اقتربت من إدراك موسيقى الجمال والحسن. نغماتها الرقراقة، السلسة، تنساب بخفر على سامعتيك، وتقبض على قسمات وجهك، ليعود يحمل من البراءة ما ينيره بفيض. وينقبض قلبك من موسيقى موجات السحر التي تأسر من يلتقيها بسرعة الريح ولكن بفرح كبير. إذا ما سمعتها بثنايا عروقك خسرت المعركة قبل أن تبدأها، إنّك حالاً مستسلم، أسير. أمّا النجوم الطائرة من حولها تقذفك بعيداً في المدى، إذ تختفي الحدود في نعومة النغمة وسلاستها، ولن تعود إلاّ متى أُطفأت الأنوار، تذكّرك بأنّك بعد على هذه البسيطة، وتعيدك من السماء الى الأرض. إنّها، بكلمة، مملكة المجد والجمال، وجمالٌ هو ملك من ملوكها.
هذا ما خبرَته روحي ليلة استدعاها جمالُ في أمسيته الرائعة التي أقامها في ساحة ماري هاسكل في حرم متحف جبران خليل جبران، وقد قدّم رائعاته لجبران نفسه. وقتذاك، والى اليوم، ما كنت لأدري: هل كانت النغمات تراقص جماد الأرض أم كانت السماء تغنّي. وقتذاك، كنت موقن أنّ في مختلجات أبو الحسن وميضات إبداع تحاكي النجوم.
موسيقاه، هي هي الموسيقى العذبة، التي تستحضر، فيك وأنت سامعها، "ذكرى أويقات الصفاء والأفراح"، أو، "ذكرى ساعات الأسى والحزن"، والموسيقى واحدة. تلك هي نعمة المبدعين، وهم بالنعمة قادرون أن يخرجوا من شفتيك ابتسامة سعادة، وأن يخرجوا من عينيك دمعة محرقة. إنّها قدرة موسيقاهم الراقية لتعيدك الى ذكريات ماضٍ سعيد، أو ماضٍ آلام كلوم خرقها ناب الدهر. ونحن، على ما يؤكّده جبران نفسه، قد "لا ندري ما يقوله العصفور فوق أطراف الأغصان، ولا الجداول على الحصباء، ولا الأمواج إذ تأتي الشاطئ ببطء وهدوء"، ولا المطر إذ يتساقط على بلّور نافذة أو أطراف ورق شجر، ولا النسيم لزهور الخقل، ولكنّنا نشعر أنّ قلبنا يفقه مفاد جميع هذه الأصوات. يقيني أنّ أبو الحسن يجسّد ما لا ندريه بنغمات الإبداع، ويعبّر عمّا نشعر به ولا نستطيع نحن أن نعبّر عته بمفردات الجمال.
اليوم يطلق أبو الحسن مجموعة من موسيقاه، أخالها، بل أكاد أجزم أنّها مختارةٌ  للمبصرين في "عتمة اليوم" . وذلك لسبب تعلمونه ويعلمه جمال بلا شكّ، وقد خبرته أنا بخسارة من غاص رغماً عنه في لظى حضارة الإستهلاك ونفاياتها المعولمة. أستميحكم العذر إذاً أن نتذكره معاً، فأنفث فيه غضباً مكبوتاً، وأكسر عنق صبابتي التي قد تروي وإن لم تكن غيلاً.    
السبب... هو أنّنا لم نعد في زمن العمالقة.          .
لقد رحلت ال "بيضاء بياض الثلج"  وما بقي سوى الأقزام. أنظر الى الفنّ المتلفز، فبين الخبر والخبر رقصة أجساد نحيلة، على موسيقى هابطة، تحار كيف تلتقط رأسها لخفّة وزنه، تقوم على إيقاع بطنِ أملس، لا سَبَد له ولا لَبَد، إبتلع من المال الأخضر حتى التخمة، فغرغر وعرعر واشتدّ وانتصب، وساد وماد وهاج وماج، ثمّ اهتزّ ووقف يتلقّى الشكر بتصفيق حادّ من مراهق جمُدت فروة رأسه، وما تحتها، بصمغ "السبايكي". لا ... لم نعد في زمن العمالقة. وقد لا يكون هذا الزمن زمن أبو الحسن وأمثاله، ولكن في زمن الهبوط شيمة العمالقة أن يستمرّوا في التحدّي. وفي زمن اللاعمالقة تصبح موسيقى أبو الحسن -  تلك التي أبدعها على إيقاع نبضات قلبِه حيث عبيط الدم يخرج الجهد من جبهتِه قطرات هي نجوم المبدع – حجّة عليه، وجبرانه المجنون أكثر جنوناً. ولكن ... 
أنا أعلم، وأنتم تعلمون، أنّ نبح الكلاب لا يضرّ بالسحاب، وأنّ البئر أبقى من الرشاء ... ولهذا أعلم أنّي ما وفيت حقّ مبدعنا بكلمتي هذه، أقول هذا ليس لتواضع منّي بل لأنّه إذا كانت الذات الإنسانيّة واحدة، فذات جبران وذاتك يا جمال وذاتي واحدة. ولا يكمن الفرق إلاّ بشفافيّة المعرفة، وهي بلّورية عندكما، أمّا عندي فما زالت مادّتها كثيفة بعض الشيء، وهي ما زالت قابعة على بلاطة غير قادرة على التحليق، وإن كانت تملك نعمة النظر الى فوق حيث المحلّقين.

فهنيئاً لنا جميعاً، هنيئاً للجمال، للنغمات، للإبداع، للفنّ الرائع. والشكر لك يا جمال. والشكر الكبير لكم لسماعي.

الخميس، 21 أبريل 2016

عالميّة جبران

عالميّة جبران
د. طارق شدياق
رئيس لجنة جبران الوطنيّة
( كلمتي في لقاء تكريم الأعلام – بشرّي، 23 نيسان 2016)

أودّ أوّلاً أن أشكر جمعية "معاً نعيد البناء" لمبادرتها النبيلة هذه، وأن أقدّم التهنئة القلبية للمكرّمين، الأصدقاء، بعد أن ألمس هدب عباءة البطريرك عريضة كما كنعانيّة ذلك الزمان، وأن أنحني أمام عالميّة جبران وأنا بصدد الحديث عنها الآن.
*
... ونتّفق حتماً على أنّ عالميّة جبران المتحقّقة يوماً بعد يوم قد خرجت من دائرة السجال. لا نقاش حولها، ولا داعي لإثباتها، لا بالشواهد ولا حتى بمعسول الكلام. عالميّة جبران حقيقة تنقّت حتى أصبحت مُسَلَّمَة عند أكثر من لسان وفي أكثر من مكان. ولكن ... العالميّة كما البساطة، هي ذروةٌ وليس بدءُ طريق. قمّة الجبل ذروة ولا شكّ، لكن السفح هو الذي يحمل تراكمات الخبرات، السقطات منها والقيامة والمتابعات حتى الوصول إليها. هكذا هي العالميّة بالضبط وهكذا هي البساطة.
عالميّة جبران قمّة سفحها مسيرة طويلة، اليوم ندرك بدايتها. إنّها ولا شكّ تقوم على ثلاثيّة الوادي المقدّس وبشرّي والأرز. هذا الثالوث هو، عندي، سرّ جبران. بالطبع المسألة بحاجة لشرح يطول، وشواهد تاريخيّة وحتى جغرافيّة، ولكنّ الأمر حتميّ إذا ما أدركنا مختزنات الوادي الإنسانيّة، وأسرار خلود الأرزة، وموقع بشرّي الفاتحة ذراعيها لكي تمسك بالطرفين. من هذا المعين الدسم غرف جبران أفكاره ودعوته، تطرّفه ولينه، تهديمه وبناؤه. من هذا المعين أخذ جبران كلّ إشكاليّاته الكثيرة في كلّ ما كتب.
الإشكاليّات نعم، لأنّها دافع ثابت لعالميّة جبران. الإشكاليّة من حيث ماهيّتها، تجذب المع كما الضدّ لتبقى ويبقى صاحبها. وسأحاول للتوضيح، أن أشير الى ثلاث إشكاليّات من إشكاليّات جبران العديدة الوافرة:
أوّلاً، إثر وفاة جبران، أرادت شقيقته ماريانا أن تأتي بجثّته من نيويوك الى بوسطن لتقيم قداساً لراحة نفسه، يعاونها في ذلك كاهنان لبنانيّان هما: الأب إسطفان الدويهي والأب يواكيم مبارك. وإذ لم يكن يوجد في ذلك الزمن أبرشيّة مارونيّة كان الكاهنان يخضعان لسلطة كاردينال كاثوليكي هو الكاردينال أوكونور. وجاء من يقول له أنّه لا يجوز أن يقام قدّاساً لراحة نفس جبران لأنّه رفض أن يتناول القربان المقدّس. فاستدعى الكاردينال الكاهنين وسألهما عن الأمر. أنكرا بالطبع. وراح الأب الدويهي ليكتب شهادة يوقّعها باسمه، وعاد الأب مبارك الى نيويورك ليأتي بشهادة من رئيسة مستشفى "سانت فينسانت" حيث توفّي جبران، الراهبة الكاثوليكيّة هي الأخرى، تفيد بتناول جبران للقربان المقدّس، وذلك بطلب من الكاردينال. وأقيم القدّاس. ولكنّ الإشكاليّة كانت قد وجدت مكاناً لها: هل جبران مؤمن أم ملحد؟ وهل إيمانه الكبير المعروف بيسوع المسيح هو غير إيمانه بطقوس كنيسته؟ لقد جذبت هذه الإشكاليّة المع والضدّ لتبقى ويبقى جبران.
هذه الإشكاليّة قدمت مع جثّة جبران الى لبنان. فعند وصول الموكب الى بشرّي، حمل النعش "شباب بشرّي" الذي من فرط حماسته كان قد كتب على لوحة خشبيّة لتعلّق فوق المدفن في دير مار سركيس عبارة: " هنا يرقد نبيّنا جبران". كان مع الجثة وفد كبير يضمّ رسمّيين ومنهم "المسوي كلو"  (Monsieur Clou) عن سلطة الإنتداب، والمطران بولس عقل مطران المنطقة في ذلك الوقت. عند ساعة الدفن رفض المطران الصلاة على الجثّة بحجّة ورود كلمة "نبيّنا" على اللوخة المشار إليها. فالكنيسة بعد المسيح لا تعترف بنبيّ. ومسألة النبوّة تبدّلت وتغيّر معناها. وطال الأمر، المطران مصرّ والشباب مصرّ أيضاً والمسيو كلو يلعن الساعة التي قدم بها الى بشرّي.  ولكن الأمر عاد فسوّي. لقد تبدّلت أمكنة النقاط في كلمة نبيّنا لتصبح "بيننا"، وتصبح العبارة: هنا يرقد بيننا جبران بدلاّ من نبيّنا جبران. ولكن الإشكاليّة بقيت، بل تحوّلت من مسألة هل جبران مؤمن أم ملحد، الى مسألة أين نضع جبران مرتبةً بين قمم أهل الفكر العالمي؟ هل هو أديب، أم مصلح إجتماعي، أمّ مفكّر أم فيلسوف أم حتى نبيّ؟ ولقد جذبت هذه الإشكاليّة، مرّة بعد، المع والضدّ لتبقى ويبقى جبران. هذه الإشكاليّة ما زالت حتى اليوم فاعلة في الولايات المتّحدة الأميريكيّة، وقد لمستها حقيقةً في المؤتمر العالمي الثاني للدراسات الجبرانيّة الذي أقيم في جامعة ماريلاند حيث كرسي جبران. نشير هنا الى أنّنا في لبنان قد وجدنا حلاّ لهذه المسألة بقولنا جبران الشاعر. جبران شاعر ولتذهب هذه الإشكاليّة الى الجحيم. الشرق، على كلّ حال، لا يطيق ان يجهد في حلّ الإشكاليّات.
أشير أيضاً الى إشكاليّة أخرى متمثّلة بما يلي: أن يستطيع جبران أن يُخرِجَ من "الدعارة" شيئاً من الطهارة أو من القداسة كما في قصةّ مرتا البانيّة، فنلك إشكاليّة موصوفة. هذا ما جعل الأديبة اللبنانيّة ميّ زيادة، بالرغم من محبّتها لجبران وتبشيرها بأفكاره، أن تبعث له برسالة تقول له فيها ما معناه أنّها لم تستطع هضم إشكاليّة مرتا البانيّة.
إشكاليّة بعد: في قصل الزواج من كتاب النبي، يقول جبران بضرورة أن يبقي الزوجان على مسافة فاصلة بينهما. يقول " ... فليكن بين وجودكم معاً فسحات تفصلكم بعضكم عن بعض، حتى ترقص أرياح السموات بينكم. ... لا تشربوا من كأس واحدة... لا تأكلوا من الرغيف الواحد... فليكن كل منكم وحده، كما أن أوتار القيثارة يقوم كل واحد منها وحده ولكنها جميعاً تخرج نغماً واحداً". وهذه إشكاليّة واضحة وإن بدت إشكاليّة خاصّة مع الكنيسة. إنّها الشعرة التي قصمت ظهر البعير مع الكنيسة التي تعلّم: كونا جسداً واحداً فما جمعه الله لا يفرّقه إنسان. مع جبران، ليس هنالك من جسدٍ واحدٍ في الزواج بل ثمّة جسدين منفصلين تماماً.
*
وإشكاليّات كثيرة غيرها. أمّا المحصّلة فكانت أن جبران ما زال الى اليوم مالئ الدنيا وشاغل الناس على مدى العالم كلّه. العالم كلّه نعم: فجبران حاضر بقوّة في:

- أميركا اللاتينيّة، في معظم دولها. مؤخّراً، وتحديداً في العام 2014 تمّ تدشين ساحة بإسمه في بوليفيا. كما جرى ترجمة كتاب النبي الى لغة " البابيامنتو" (Papiamento) المحكيّة في جزيرة كوراساو في الكاراييب في السنة نفسها. في البرازيل له ساحات وشوارع ومدارس بإسمه ونصُب تذكاريّة عديدة. وله أيضاً في دار بلديّة ساو باولو لوحة تذكاريّة بالمعرض الذي أقمناه في العام 2013...
- في ألمكسيك وجوده أضحى بارزاً مع متحف سميّا إبنة رجل الأعمال اللبناني كارلوس سليم، والذي يحتوي على أكثر من مئة لوحة له كما على العديد من أشيائه الشخصيّة.
- في أميركا الشماليّة، حاضر بقوّة، إن كان في مدن أوتاوا وفانكوفر الكنديّة، أو في أكثر من ولاية من الولايات المتّحدة الأميركيّة. حديقته في بوسطن مليئة بأقواله. أمّا ولاية ماريلاند فتحمل كرسيّ جامعي بإسمه في جامعتها وتحت أقسام كلّية العلوم الإجتماعيّة فيها، وقد ترأّسه البروفسور سهيل بشروئي حتى وفاته، ومعها أقمنا المؤتمر العالمي الثاني للدراسات الجبرانيّة في العام 2012.
- في أوروبا، هو حاضر أيضاً في معظم دولها. لقد احتفظت الحكومة الفرنسيّة بالأستوديو الذي كان يعيش فيه أيّام دراسته فنّ الرسم في أكاديميّة جوليان مع صديقه يوسف الحويّك كذكرى لمكوثه سنتين فيه. وكان للجنة جبران تعاون وثيق مع مؤسّسة العالم العربي في باريس حيث أقمنا وشاركنا في عدّة معارض هناك. هذه السنة سيزور جبران فرنسا مرّة أخرى في فصل الخريف، كما سيعرّج من هناك الى لندن في معرض يضمّ حوالي الثلاثين لوحة.
- في الشرق الأقصى و أوستراليا، هو أيضاً حاضر بقوّة قد تفاجئنا في بعض محطّاتها. والمعرض الذي أقمناه في أوستراليا في بدايات العام 2011 شاهد على ذلك، حيث أمّه أكثر من خمسين ألف زائر في مدّة لا تتجاوز الشهرين. في اليابان والصين تقام الدراسات الأكاديميّة المعمقّة في فكره وأدبه في أكثر من جامعة. وكنّا قد أقمنا في الجامعة الوطنيّة الصينيّة في العاصمة "بيجين" يوماً جبرانياً طويلاً في منتصف العام 2015. أمّا حضوره الذي يدعو الى العجب فهو ولا شكّ في أندونيسيا. فهو في تلك البلاد الشاسعة تماماً كما أنشتاين عندنا. فإذا ما بدا على فتى من فتيانهم بعض علامات النبوغ أو التفوّق يطلقون عليه إسم جبران.
- في الشرق الأوسط، من المفيد أن نعلم أنّ أكثر الكتب الأجنبيّة المقروءة في إيران هي كتاب النبيّ لجبران. وهو حاضر وإن بخجل في سوريا ومصر، وأقلّ من ذلك في الأردن والعراق. ولكنه حاضر في تونس عبر الأطروحات الأدبيّة الباحثة في أدبه وفكره على ما أطلعتنا عليه الدكتورة فاطمة الساسي والتي التقيناه في ماريلاند، وهي أستاذة الأداب العربيّة في جامعة تونس الوطنيّة.
- أمّا في لبنان، فحضوره الأهم هو في بشرّي حيث متحفه الذي يحتوي ثلثي الإرث الجبراني في العالم. كما هو حاضر في العاصمة من خلال ساحة بإسمه مقابل مبنى الإسكوا، وفي العديد من الشوارع والساحات التي تحمل إسمه. وهنا لا بدّ أن نسجّل للجان جبران المتعاقبة دوراً أساسيّاً لهذا الحضور.
*
وبعد، هذا باختصار مدخل متواضع الى عالميّة جبران. واللجنة الآن بصدد تجميع ما تملك من معلومات عن حضوره المنتشر أين مكان لنشرها في كتاب خاصّ.

وفي النهاية، أكرّر تهنئتي لجمعيّة معاً نعيد البناء، وللمكرّمين الأصدقاء، والشكر لكم.