الاثنين، 13 فبراير 2017

كلمة في دفن المرحومة ماري جعجع "أمّ الحكيم".

كلمة في دفن المرحومة ماري جعجع "أمّ الحكيم".

"دعوني أنم فقد سكرت نفسي بالمحبة .دعوني أرقد فقد شبعت روحي من الايام والليالي. اقتربوا وانظروا خيال الله في عيني واسمعوا صدى نغمة الأبدية متسارعة مع أنفاسي. وامسحوا الدموع يا رفاقي ثم ارفعوا رؤوسكم مثلما ترفع الأزهار تيجانها عند قدوم الفجر".
لو كان للسيّدة التي يجمعنا رقادها الآن أن تقول كلمة أخيرة لفاهت بكلّ هذا الكلام وزادت عليه، لأنّها أحبّت الحياة وهي حلم، وعرفت كيف تموت فاستيقظت من حلمها. لم تكن تخاف الموت، فسيّدة مثلها عانت ما عانته، وتحمّلت ما تحمّلته لا يمكن أن تخافه. وهي المؤمنة العارفة أنّه لو كان الموت يصنع شيئاً لأوقف مد الحياة التي من قوة الله الحي تنبثق وتنداح.
مدرسة صلابة وعناد في الحقّ. ندرت حياتها لعائلتها، مملكتها، مستقبلها. عملت كلّ ما يمكن أن يعمل، مع شريك حياتها الراحل الفريد الكبير، من أجل أنّ يحصّل أبناؤها العلم. كانت تعلم بفطرتها والتجارب أنّ المحدود من الناس مطبوع على حبّ المحدود من الحياة.
صلبة لأنّ ما اعتراها عائقٌ في سبيل تحقيق ما حلمت به بصمتٍ جلل وصبر لا يقاس وبتحمّل شظف الحياة. جبّارةٌ لأنّها لبست التواضع وتزنّرت بدماثة الأخلاق بعد أن خبرَت الدنيا صالحاتها والطالحات. والأمر حقّ ذلك إنّ من لا تلسعه أفاعي الأيّام وتنهشه ذئاب الليالي يظلّ مغروراً بالأيّام والليالي. صلبة لأنّ الإيمان اعتمر في قلبها فجعل منها هيكل صلاة. فثبتت يوم المحن وحتى المنتهى. واستطاعت أن تجني من العوسج تيناً بصلواتها. كان ذلك في الزمن الأوّل، زمن بناء العائلة والبيت والمستقبل. وفي ذلك الزمن أعطت أبناءها بذرة العناد في الحقّ، وفي ذلك الزمن وقبل وقبل كانت تعرف أنّه لا يصحّ إلاّ الصحيح.
وفي الزمن الأسود، زمن اعتقال إبنها، كانت تستمدّ نوراً من الظلمة بمحبّتها. وبالرغم من أنّ السيف كان مغروزاً في قلبها كانت تخاطره من هنا الى هناك، الى ما تحت الأرض، أن من لا يؤثر السجن على الإستعباد لا يكون حرّاً بما في الحرّية من الحقّ والواجب. تحاكي صموده بأنّ الثلوج المتراكمة لا تميت البذور الحيّة. تحثّه على الرجاء فالحقيقة هي كالنجوم لا تبدو إلاّ من وراء ظلمة الليل.
وكانت تقف أمام كلّ رفيق وفي داخلها هاتفٌ أن هذا هو ابنكِ. وفي داخل كلّ رفيق هاتف أن هذه هي أمّك. صلابتها هي صلابة أمّهاتنا. وأمّهاتنا قدّيسات. بهنّ صرنا ندرك أنّ الموت ما هو إلاّ سقوط الزهرة كي تنمو الثمرة.
فيا رفاقها ورفاق الحكيم، لا تعطوا هذه السيّدة الكبيرة بل خذوا منها وهكذا تكرّمونها. ويا أيّتها السيّدة المنتقلة الى حيث الخلود، حتى لو أخذتك الايام بعيدا، وكان ما بينكِ وبين رفاقكِ فراق بحجم مجرة ستبقين حاضرةً في قلوبهم وذاكرتهم.
فالعزاء الحار بإسمي الشخصي وإسم عائلتي، وبإسم لجنة جبران الوطنيّة، للدكتور سمير وعقيلته. وللدكتور جوريف وعقيلته وعائلتهما. وللسيّدة نهاد وعائلتها.
والعزاء كلّ العزاء لحزب القوّات اللبنانيّة، قيادةً وأفراد.
ولبشرّي كلّ بشرّي.
لكم من بعدها طول البقاء.

المسيح قام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق